أكّد الأستاذ بجامعة خنشلة، مراد ترغيني، أنّ الرقمنة لم تعد خيارا تقنيا ثانويا في مجال المسرح، وإنما أضحت “فعلا استراتيجيا لإنقاذ الذاكرة المسرحية الجزائرية من الفناء الفني”، مشدّدا على أن إدماج التكنولوجيا الرقمية في التوثيق المسرحي يمثّل استردادا حقيقيا للسيادة الثقافية على المنجز الإبداعي الوطني.
أوضح ترغيني في تصريح لـ “الشعب”، أنّ الذاكرة المسرحية الجزائرية تشكل “خزّانا للهويّة الوطنية، ومختبرا للوعي الاجتماعي والسياسي”، غير أنّها ظلّت لسنوات طويلة عرضة للضّياع بسبب اعتماد التوثيق على وسائل تقليدية هشّة، وطبيعة الفعل المسرحي العابر.
وفي هذا السياق، يرى ترغيني أنّ الرقمنة تمثّل انتقالا نوعيا من الذاكرة الشفهية والوثائق الورقية المتآكلة إلى توثيق رقمي صلب، يسمح بحفظ الأثر المادي للفكرة المسرحية نفسها. وأضاف أنّ المسح الضوئي عالي الدقة لمخطوطات المسرحيين الكبار والفرق الفنية القديمة لا يعني فقط تصوير ورقة، بل “تدوين الذاكرة المادية للفكر المسرحي الجزائري”.
وأبرز محدّثنا أنّ الرقمنة تمنح الباحثين إمكانات تحليل أكاديمي متقدمة عبر برمجيات التحليل اللغوي، بما يسمح بتتبع تطور اللغة المسرحية الجزائرية من الدارجة البسيطة إلى اللغة المركبة، وهو ما يعد تدوينا للذاكرة اللغوية الوطنية عبر الركح.
وحول الأرشيف البصري، أوضح ترغيني أنّ أجزاء معتبرة من الذاكرة المسرحية ضاعت بسبب ظروف التخزين غير العلمية، وتلف أشرطة السينماتك والتلفزيون، معتبرا أنّ الترميم الرقمي الحديث يمكنه إعادة بناء الكادرات التالفة في أعمال روّاد كبار مثل مصطفى كاتب وولد عبد الرحمن كاكي، وأضاف أنّ الرقمنة لا تقتصر على حفظ النص والعرض فقط، فهي تشمل تدوين المكان، عبر تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد التي تسمح بحماية عمارة المسارح الجزائرية القديمة كجزء من ذاكرة العرض المسرحي، حتى وإن تأثر البناء المادي بعوامل الزمن.
وفي بعد آخر، شدّد المتحدث على أنّ الرقمنة تكرس “ديمقراطية معرفية” تكسر مركزية الأرشيف التي ظلّت محصورة في خزائن العاصمة أو لدى بعض العائلات الفنية، وأوضح أنّ الأرشفة المجتمعية تتيح للمواطنين والهواة رفع صور وتسجيلات نادرة لفرق مسرح الهواة في السبعينيات، بما يضمن استمرارية تاريخية تحمي الذاكرة المسرحية من الفجوات التي خلفتها فترات الأزمات وغياب التدوين المنتظم.
وبخصوص التعريف بالريبرتوار المسرحي الجزائري، اعتبر ترغيني أنّ الرقمنة تمثل أداة مركزية في إبراز الهوية البصرية والفكرية للمسرح الوطني، من خلال بناء أنطولوجيا رقمية تعتمد على الفهرسة الذكية والوسوم، ورسم خرائط فنية توضح انتشار المسرح من سيدي بلعباس إلى عنابة والجنوب.
وأشار إلى أنّ كسر الحواجز اللسانية والجغرافية يمر عبر الترجمة الرقمية المتزامنة للعروض الكلاسيكية، وإنشاء منصات بث متخصّصة تجعل الريبرتوار الجزائري حاضرا في الجامعات والمهرجانات الدولية، بدل بقائه حبيس المناسبات الظرفية.
وفي سياق متّصل، أكّد ترغيني أنّ الرقمنة يمكن أن تتحول إلى أداة لإحياء المرجعية المسرحية، عبر إتاحة القوالب الإخراجية رقميا، واستعمال الذكاء الاصطناعي في تحليل بنى العروض، ممّا يسمح للمبدعين الشباب بإعادة قراءة التراث المسرحي بروح معاصرة. كما دعا إلى الاستثمار في المتاحف الرقمية والواقع الافتراضي لخلق ارتباط عاطفي ومعرفي عالمي بالمسرح الجزائري.
أمّا عن آليات التوثيق، فقد دعا إلى اعتماد التوثيق الشامل متعدد الزوايا والصوت المحيطي، وإرفاق كل عرض بحقيبة رقمية تتضمن النص الأصلي، التعديلات، المخططات التقنية، وسياق العرض السوسيولوجي. كما شدّد على أهمية الأرشفة السحابية الوطنية عبر خادم مركزي يربط المسارح الجهوية بالمسرح الوطني، لضمان حماية الأرشيف من الضياع والقرصنة.
وختم ترغيني تصريحه بالتأكيد على أنّ الرقمنة ليست تكديسا للفيديوهات، بل “مختبرا للخلود”، يسمح للأجيال القادمة بإعادة قراءة وتحليل، وحتى إعادة إخراج روائع المسرح الجزائري، معتبرا أنّ الانتقال من المسرح كحدث إلى المسرح كرسالة كونية هو الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة.





