يُشكّل شهر شعبان محطة تحضيرية هامة بالنسبة لعائلات البليدة، فخلاله تتأهّب وتتمرّن لرمضان الفضيل الذي يأتي بعده، مثل الرياضي الباحث عن الصعود فوق منصة التتويج، فيجهّز نفسه بدنيا ونفسيا وذهنيا للمنافسة الرسمية، وتُجسّد عاداتها أواصر التضامن والتماسك بين أفراد المجتمع.
تنحصر عادات البليدة في “الشعبانية” وهي التسمية لمجموعة من التحضيرات والاحتفالات يشهد شهر شعبان، أبرزها تنظيف البيوت وطلاء جدرانها وشراء أواني جديدة أو صنع أوانية فخارية بالنسبة للذين يحسنون هذه الحرفة، وهذا من باب التفاؤل وتجديد الطاقة.
وكما يحرص الرجال على الصوم وعدم التغافل عن شعبان، فإن النساء في البليدة تبدأ مبكرا في توفير مؤونة رمضان باقتناء التوابل والمواد الغذائية اللازمة مثل الفواكه المجففة، ولعل أهم ما تقوم بها هو تحضير “المقطفة”، وهي نوع من العجائن الذي يستخدم في طبق “الشربة البيضاء”، الذي يعتبر من الأكلات التقليدية في المنطقة.
تحضير “المقطفة” باليد باستخدام فعل “يفتل” يعتبر حرفة ما زالت الكثير من العائلات محافظة عليها، وتحرص على تعليمها للبنات من الأجيال القادمة، و«المطقفة” هي نوع رقيق مقارنة بالتي تستخدم في تحضير طبق المعكرونة العمياء (مقارون لعمى)، لأن تحضير المقطفة ليس بالأمر الهين، فقد تلجأ بعض النسوة إلى طحن المرمز (مصدره من الشعير) أو الفريك (مصدره من القمح) خلال شهر شعبان، وذلك تحسبا لطهي طبق “الحريرة الحمراء”، الذي يعتبر طبقا أساسيا في موائد العائلات البليدية في رمضان، ويتم التداول بينها وبين طبق “الشربة البيضاء” المحضرة من “المقطفة”.
أما بالنسبة لمنتصف شعبان أي يومه الخامس عشر، فيتم استقباله بإقامة طبق تقليدي في العشاء أي ليلة اليوم الرابع عشر من شعبان، وتجتمع العائلة حول هذا الطبق سواء أكان كسكسي أو “رشتة”، وهي طبق من العجائن مثل “الفطاير”، وهي شرائح رقيقة تختلف عن التي تُستخدم في المسيلة وبوسعادة لتحضير طبق “الشخشوخة”.
كما يحتفل البليديون بالنصفية أو القسام (تسمية منتصف شعبان بالعامية) بتوزيع الصدقات من مواد غذائية ولحوم، وبعض الحلويات على الجيران والمساكين والفقراء وعابري السبيل، ما يُجسد التماسك المجتمعي والتضامن بين العائلات، وفي وقت مضى كأهل بلدية أولاد يعيش يحتفلون بمنتصف شعبان بزيارة زاوية مؤسسة مدينة البليدة سيدي الكبير الذي وافته المنية في ليلة 15 من شعبان، في زمن لم يكن فيه لا تلفاز ولا أنترنت.
وتنطلق عادات “الشعبانية” في البليدة بعد منتصف شهر شعبان، الذي يستغله البعض في تصويم الأطفال الصغار كي يتعوّدوا على مشقة الجوع، ويكتسبون الخبرة التي تسمح لهم بالصوم في رمضان، فمصطلح الشعبانية بمثابة تكثيف التحضيرات على أمل التألق في رمضان وتحقيق الأهداف المرجوة، فهي ليست ميداليات أو تتويجات رياضية، بل غايات روحية تكمن في إرضاء الله واكتساب مزيد من الحسنات.
ولأنّ البليدة تشتهر بالنباتات الطبية والعطرية، تقوم العائلات بتقطير ماء الزهر خلال النصف الثاني من شعبان لاستخدامه في اعداد عصير “الشاربات” الشهير في المنطقة، وكذا بعض الحلويات التقليدية مثل “القطايف”، “السيقار” و«الصامصة”.
من بين العادات التي تميزت بها البليدة أيضا فسحة العروس، وهي الزيارة التي كانت تحظى بها العروس الجديدة لبيت أهلها كي تتفرّغ في رمضان لبيت زوجها، وتتضمّن هذه الفسحة التوجه إلى الحمام لأخذ “حمام الهناء” قبل أن تعود العروس إلى بيتها.
وقد ارتبطت فسحة العروس بمفهوم العائلة الكبيرة، أين كانت الأخوات وبنات الأعمام يخططن لهذا الموعد مسبقا من أجل الالتقاء في نفس التوقيت، وعدم تفويت فرصة الاجتماع سويّا واسترجاع ذكريات أيام الطفولة.







