هويّـــة دينيـة ووطنيـة ضاربة في أعمــاق التّاريــخ
تحيي العائلات الأوراسية ليلة المنتصف من شعبان باستحضار العديد من العادات والتقاليد الدينية والاجتماعية المتوارثة عن الأجداد، والتي تؤكّد إصرار سكان الأوراس خاصة القاطنين بالمناطق النائية والريفية على التمسك بهويتهم الدينية والوطنية الضاربة في أعماق التاريخ، حيث تكتسي المناسبة طابعا خاصا لدى كل الجزائريين.
تظهر ليلة المنتصف من شعبان أو “نصفية شعبان” كواحدة من بين أبرز المناسبات الدينية التي تحمل طابعا خاصا في الوجدان الشعبي لسكان الاوراس، ويعتبرونها فرصة ذهبية للاستعداد للشهر الفضيل، حيث تصوم غالبية العائلات هذا اليوم تقديسا له، وتعبيرا عن فرحتهم بقرب قدوم سيد الشهور شهر رمضان المبارك.
وعن كيفية إحياء هذه الليلة العظيمة، نجد النسوة يميزن بإعداد مجموعة من الاطباق التقليدية، خاصة وبعض الحلويات التي تشتهر بها منطقة الاوراس عموما، حيث يُخصّصن لها حصرا تحضير أطباق الكسكسي أو المعروف محليا بطبق البربوشة، وهناك من تفضل طبق الشخشوخة التقليدية، وهناك من تقوم بطهي طبق العيش بالقديد تزامنا والاضطرابات الجوية الحالية، يضاف لأحد هذه الأطباق طبق الشُربة بالفريك نظرا لصيام غالبية العائلة، وهو الطبق الذي يُرافق المائدة الأوراسية طيلة الشهر الفضيل.
وبالنسبة للحلويات التقليدية التي تقدّم ليلا في السهرة بحضور أفراد العائلة وبعض المدعوين من الاهل والأقارب في لقاء عائلي يسبق اجتماعات وسهرات ليالي رمضان، حيث نجد المسفوف كأبرز هذه الأطباق والذي يُقدّم مع الحليب أو اللبن لإدخال السرور على أفراد العائلة، بمشاركة مميزة للأطفال الذين يعيشون المناسبة وكأنهم في عيد بكل فرح وسرور، وهو الجو الذي تحرص العائلات على بسطه في هذه الليلة الدينية العظيمة التي تتسابق فيها لفعل الخير، وتكريس قيم التكافل الاجتماعي والتضامن عبر زيارة المُستشفيات وتقديم بعض الأطعمة والحلويات للمرضى للتخفيف عنهم والتعبير عن مُساندتهم.
وقديما كانت العائلات الأوراسية تحضّر للمناسبة باقتناء جدي أو خروف، ونحره وتقسيمه بين العائلات التي اشتركت في اقتنائه، وطهيه في تلك الليلة التي غالبا ما تكون مناسبة للقاءات العائلية الكبيرة، حيث يجتمع الإخوة والأخوات المتزوجون في بيت والدهم بعد غياب أشهر، خاصة بالنسبة للذين لا يُقيمون في مدينة واحدة، حيث تكون نصفية شعبان فرصة سانحة للاجتماع بحضور كبار أفراد العائلة، والتدبر في شؤونهم الاجتماعية وحل بعض المشاكل الخاصة المستجدة بين أبناء العرش الواحد.
من جهتها المدراس القرآنية والمساجد تعُج بالمصلين، الذين يحرصون طيلة اليوم على تأدية الصلوات الخمس في وقتها بالمساجد، وكذا الاستماع الى الدروس الدينية التي يُقدمها الأئمة وحلقات الذكر التي تُنظم بالمُناسبة وللأطفال حصة منها من خلال تكريمهم في المُسابقات الدينية الخاصة بحفظ القرآن والأحاديث النبوية تعويدا لهم على التواجد في المساجد ومُخالطتها.
وتُؤكّد احتفالات نصفية شعبان في ولايات الأوراس، أنّ العادات والتقاليد المُتوارثة ستبقى راسخة رغم المد التكنولوجي الذي هيمن على الأسر والعائلات، التي تبدأ تحضيراتها للشهر الفضيل بعد انقضاء هذه الليلة المباركة.






