لو كنت أعيش في زمنٍ آخر، لما استيقظتُ على صوت منبّهٍ بارد، ولا نظرتُ إلى شاشةٍ تسبقني في قول صباح الخير. كنتُ سأفتح عينيّ على ضوء الشمس وهو يتسلّل ببطء من نافذة خشبية، وعلى رائحة الخبز الطازج التي تسبق الكلمات.
لو كنت أعيش في زمنٍ آخر، لعرفني الناس باسمي لا بصورتي، وبقصتي لا بحسابي. كنتُ سأمشي في الأزقة الضيّقة، أحيّي الجميع، ويحيّونني لأنهم يعرفون من أنا، لا لأنهم قرأوا عني شيئًا.
في ذلك الزمن، كنتُ سأجلس كل مساء قرب مصباح زيت صغير، أكتب رسائل طويلة بخط يدي، أختار كلماتي بعناية، لأن الرسالة قد تسافر أيامًا أو شهورًا قبل أن تصل. كنتُ سأعرف قيمة الانتظار، وأن الشوق ليس ضعفًا، بل دليل محبة.
لو كنت أعيش في زمنٍ آخر، لما كانت الأيام تركض بهذا الجنون. كان للوقت طعم، وكان للسكوت معنى. كنتُ سأسمع القصص من أفواه كبار السن، لا من مقاطع قصيرة تُنسى بعد ثوانٍ. قصص عن الحب، عن الحروب، عن الأمل، عن الخسارة… قصص تشبه الحياة، بطيئة لكنها عميقة.
كنتُ سأقع في الحب بهدوء. نظرة أولى في سوق، ابتسامة خجولة، لقاءات قليلة لكنها مليئة بالنبض. لم يكن الحب سريعًا، لكنه كان صادقًا. لا زر إعجاب، ولا اختفاء مفاجئ، فقط قلوب تعرف ماذا تريد، وتتحمّل مسؤولية مشاعرها.
لو كنت أعيش في زمنٍ آخر، لكنتُ أخطئ أكثر، لكنني أتعلم أكثر أيضًا. لم يكن هناك زرّ للحذف، فكل خطأ كان درسًا محفورًا في الذاكرة. لم أكن أستطيع الهروب من نفسي، فكنتُ أواجهها، وأفهمها، وأتصالح معها.
ومع ذلك…
أدرك أن كل زمن يحمل أعباءه. ذلك الزمن لم يكن مثاليًا، كما أن هذا الزمن ليس سيئًا بالكامل. لكن الفرق أن الإنسان قديمًا كان أقرب إلى نفسه، أما اليوم فنحن أقرب إلى العالم، وأبعد قليلًا عن أرواحنا.
لو كنت أعيش في زمنٍ آخر، لكنتُ شخصًا مختلفًا.
لكنني أعيش هنا، الآن.
وأتمنى فقط أن أحتفظ بشيء من روح ذلك الزمن: الصدق، الصبر، والإنسانية…
لعلّها تجعل هذا الزمن أكثر دفئًا.
”صرخة القلم في ظلال الحصار”
في مدينة تعانق الألم كل يوم، وتستيقظ على صدى القنابل، لم يعد للحياة طعم الفرح. يحاول الناس التمسك بآخر خيوط الأمل، لكن الواقع يُلقي بثقله فوق الجميع.
جلست على مكتبي أبحث عن فكرة أكتب عنها، شيء يُسعد القلوب ويضيء الأرواح. لكني لم أجد شيئًا. كل ما يحيط بي كان يهمس بألم، ينادي الحزن كأنه سيد الموقف.
في الليل، حين يحل السكون وتطفأ الأنوار، لم أكن أستطيع النوم. صور الأطفال في طوابير الماء، وآهات الأمهات العاجزات عن إطعام صغارهن، كانت تطاردني. بدلاً من أن يكون الأطفال في المدارس، كنت أراهم يصطفون تحت المطر القارس، يحملون الدلاء الثقيلة بأيدٍ صغيرة، وأحلامهم تتكسر عند حدود الحاجة.
حتى الكتابة لم تسعفني. الكلمات تخونني أمام المشاهد. هل أكتب عن طفلٍ يرتجف من البرد؟ أم عن أمٍّ تذرف الدموع على طفلها الجائع؟ الأوجاع كثيرة، لكني أجد قلمي ينزف معها.
رغم كل الألم، هناك أمل. أمل بأن تأتي لحظة تنتهي فيها الحروب، وينال كل طفل حقه في الحياة والتعليم والفرح. ربنا يفرجها على غزة، وعلى كل قلبٍ يتألم.
تيه الكلمات
جلستُ أمام طاولتي الصغيرة، وأمامي ورقة بيضاء تنتظر أن تبوح بما في داخلي. أمسكتُ قلمي الأزرق، كما أفعل كل مرة حين تضيق بي الدنيا، وبدأت أكتب…
سَكبت على الورقة أولى كلماتي… عن ذلك الشعور الغريب، عن الحنين، عن الفقد، عن الأمل المُتعب.
لكن فجأة، تجمّدت أفكاري.
تهتُ في زحام صمتٍ داخلي، كل الحروف التي كانت تتدافع للخروج، اختفت.
كل الصور التي كانت تنبض في رأسي، تلاشت.
كأن ذهني انطفأ، أو كأن القلم نفسه لم يعد يعرف ماذا يقول.
نظرتُ إلى الورقة…
ما زالت تنتظر، لكنها الآن تحمل سطرًا واحدًا فقط، كتبه قلبٌ مُثقل لا عقلٌ صافٍ.
تركتُ القلم، وابتسمتُ بحزن…
ربما ليس اليوم وقت الكتابة، بل وقت الصمت.
لكنني أعلم…
في لحظة ما، ستعود الكلمات.
لأن من اعتاد البوح، لا يستطيع الصمت طويلاً.
لينا… حين تزهر الأحلام
كانت “لينا” فتاة عشرينية مفعمة بالحياة، تفيض عذوبةً ورقة. بشرتها السمراء وشعرها المجعد زادها تميزًا، وعيونها البنية كانت تلمع كلما تحدثت عن أحلامها في عالم التمريض. تدرس في الجامعة بتفوق، محبوبة من الجميع، صوتها هادئ ونبرتها خجولة لكنها تحمل الكثير من الثقة في داخلها.
تحب فصل الربيع، ففيه تخرج مع صديقتها سُجى إلى الحديقة، يتحدثن، يضحكن، ويتشاركن لحظات الأمل تحت ظلال الأشجار المتفتحة. ولها طقوسها الخاصة، زاويتها المفضلة، كتاب دافئ بين يديها وكوب من الشاي الساخن، وبعدها تمضي وقتًا تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي قبل العودة إلى دراستها.
في إحدى محاضرات الجامعة، دخل الدكتور عصام، أستاذ المادة الجديد. كان صارمًا، جديًا، يفرض احترامه من اللحظة الأولى. تأخرت لينا قليلًا ذلك اليوم، دخلت بخجل وقالت:
«السلام عليكم… آسفة على التأخير.”
رد عليها الدكتور: “تفضلي أستاذة لينا، أول مرة وآخر مرة.”
لم يكن يعلم حينها أن هذه الفتاة الهادئة ستترك في قلبه أثرًا عميقًا…
مرت الأيام، واللقاءات المتكررة في المحاضرات والأنشطة العلمية جمعت بينهما الاحترام المتبادل، ثم التقدير، ثم الإعجاب بصمت.
تخرجت لينا بامتياز، وسعت لفرصة عمل حتى تم قبولها في أحد المستشفيات. وبعد سنوات، عاد القدر ليربطها بالدكتور عصام، لكن هذه المرة ليس في قاعة المحاضرات، بل على هيئة علاقة شراكة حياة.
تزوجا، وسافرا معًا، واستقرا في إحدى الدول، حيث بدأت لينا حياة جديدة، ليست فقط كممرضة، بل كزوجة وأم وقائدة لأسرة.
كانت قصتها كزهرة ربيع تأخرت في التفتح، لكنها حين أزهرت، ملأت العالم جمالًا وأملًا.
حين يعلو صوت الهدوء
مع بداية الليل، تسللت نسائم باردة إلى الخيمة الصغيرة، وجلستُ على كرسي خشبي قديم قرب النافذة، نافذة لم تكن من زجاج، بل قطعة قماش تُزيحها الريح كيف تشاء. في يدي فنجان قهوة مرة، وفي اليد الأخرى قلمي، رفيقي الدائم، وسلاحي الوحيد.
كان الصمت يراقبني، يحدّق في أعماقي، كأنه ينتظر لحظة انهياري…
الظلام بدأ يغوص أكثر، يبتلع ما تبقى من الضوء في قلبي، وهدوء الليل لم يكن طمأنينة، بل كان صاخبًا… يصرخ في داخلي بصمتٍ لا يسمعه سواي.
في كل رشفة قهوة، أسترجع ذكرى، وكل كلمة أكتبها كانت كأنها تنتزع من روحي انتزاعًا. كنت أكتب لا لأُبدع، بل لأتنفس.
في لحظةٍ ما، شعرت أن الحزن ليس شعورًا، بل جمرة تتوهج في صدري… كلما خمدت، أعادت الحياة إشعالها.
في تلك الليلة، لم أنم، ولم أكتب كثيرًا… لكني شعرت بشيء يتغير. كأن الظلام، ولأول مرة، فهمني.






