الجمعيات والمساجد تلعب دورًا محوريًا في توجيه المواطنين
حذّر خبراء في الاقتصاد والصّحة من تنامي مظاهر الاستهلاك المفرط خلال شهر رمضان، مؤكّدين أنّ هذا السلوك بات يحمل انعكاسات مباشرة على القدرة الشرائية للأسر، إلى جانب آثاره السلبية على الصحة العامة والاقتصاد الوطني. وأظهرت معطيات رقمية أنّ الإقبال على اقتناء المواد الغذائية يرتفع خلال الشهر الفضيل إلى نحو ثلاثة أضعاف، ما يؤدي إلى إهدار كميات معتبرة من الأغذية، في مقدّمتها الخبز، حيث قُدّر عدد الأرغفة المتلفة خلال رمضان 2025 بنحو عشرة ملايين خبزة.
يرى مختصّون في الشأن الاقتصادي، أنّ هذه الظاهرة تستدعي تدخّلاً استباقيًا، خاصة على مستوى التحسيس والتوعية، معتبرين أنّ شهر رمضان يفترض أن يشهد تراجعًا في وتيرة الشراء لا تضاعفها. وأكّدوا أنّ الجمعيات والمساجد تتحمّل دورًا محوريًا في توجيه المواطنين، نحو ترشيد الاستهلاك وتعزيز ثقافة الاعتدال.
وخلال ندوة علمية حول آثار “الاستهلاك غير المسؤول خلال شهر رمضان”، حضرها كل من وزيرة التجارة الداخلية وتنظيم السوق ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى، قدّم خبراء وأخصائيو الصحة والاقتصاد، قراءات معمّقة للتحوّلات الاجتماعية والسلوكية المرافقة للشّهر الفضيل. وتطرّقت المداخلات إلى تداعيات الإفراط الغذائي وعدم التوازن في النظام الغذائي على الصّحة العمومية، إضافة إلى الكلفة الاقتصادية المترتبة عن الهدر والضغط على الأسواق وتراجع الإنتاجية، فضلًا عن تعارض هذه الممارسات مع القيم الدينية والرّوحية لرمضان.
وفي السّياق ذاته، نبّه رئيس جمعية “أمان” لحماية المستهلك، منوار حسان، إلى جملة من الآثار السلبية المرتبطة بعدم الاعتدال في الاستهلاك، من بينها اختلال التوازن الغذائي، الإفراط في السكريات والدهون، اضطراب النوم، الهدر الغذائي، الاستهلاك المفرط للطاقة، وانعكاس ذلك على الإنتاجية والتغيّب عن العمل. وشدّد على أنّ مواجهة هذه الظواهر تتطلّب تعبئة جماعية ومنظمة.
وخلصت الندوة إلى مجموعة من التوصيات، أبرزها ضرورة تنظيم وضبط الأسواق، على مدار السنة لتفادي الاضطرابات وضمان توفّر المواد الأساسية، مع الدعوة إلى استدامة أسواق الجوار الخاصة برمضان كآلية لتحقيق الاستقرار. كما أوصى المشاركون بتخفيف حدة التغطية الإعلامية والخطاب الرّسمي المرتبط بالتدابير الخاصة بالشهر الفضيل، تفاديًا لإثارة هلع استهلاكي غير مبرّر.
وأكّد الخبراء أهمية تشديد الرّقابة على شبكات التوزيع لمكافحة المضاربة والاحتكار، وتنظيم التجارة الظرفية التي تنشط خلال رمضان، بما يضمن السلامة الصحية والعدالة التنافسية. كما دعوا إلى ضبط الإعلانات الإشهارية والحدّ من برامج الطبخ المفرطة، لما لها من تأثير مباشر على أنماط الاستهلاك.
وفي ختام الأشغال، شدّد المتدخّلون على ضرورة تعزيز دور الأئمة والمربّين والمؤثّرين، في توجيه السلوك الاستهلاكي نحو الاعتدال والمسؤولية، بما يحفظ الصحة العامة والموارد، ويعزّز التماسك الاجتماعي. وأكّدوا أنّ الرّهان يبقى في إعادة الاعتبار للبعد الروحي لرمضان، وترسيخ ثقافة الاستهلاك حسب الحاجة، باعتبار أنّ المستهلك يظلّ الحلقة الأساسية في حماية ميزانيّته الأسرية وضبط سلوكه اليومي.





