مع اقتراب شهر رمضان، يشهد سوق اللّحوم الحمراء نشاطا أكبر نتيجة ارتفاع الطلب، ويساهم الإنتاج الوطني، إلى جانب استيراد اللّحوم، في توفير الكميات اللازمة للسوق، كما تساعد الجهود المبذولة التحكّم في تكاليف التربية وضبط الأسعار، على ضمان استقرار السوق وحماية المستهلك خلال الشهر الفضيل.
أكّد الخبير الفلاحي أحمد مالحة، أنّ شعبة اللّحوم الحمراء تحظى باهتمام كبير، حيث سبق أن أشار إليها رئيس الجمهورية، سنة 2025 بقصر المؤتمرات، عندما تساءل عن سبب استيراد اللّحوم من جهة، واستيراد الأعلاف من جهة أخرى، معتبرا أنّ المنطق يفرض إمّا استيراد اللّحوم دون الأعلاف، أو استيراد الأعلاف من أجل إنتاج اللّحوم محليا، وليس استيرادهما معا.
وأضاف الخبير، أنّ الجزائر اتخذت كل الاحتياطات اللازمة لضمان وفرة اللّحوم خلال شهر رمضان، لاسيما من خلال دور الديوان الوطني للحوم الحمراء، إلى جانب اللّجوء إلى الاستيراد كإجراء احترازي، يهدف إلى تأمين التموين واستقرار الأسعار في هذا الشهر الفضيل.
وأوضح بخصوص اللّحوم البيضاء أنها لا تطرح إشكالا، بعد الاتفاق الذي أبرم الشهر الماضي بين الفيدرالية الوطنية لمربي الدواجن، حيث تمّ توفير الأعلاف والكتاكيت والدعم المالي، باعتبار أنّ الأعلاف هي الأساس في الإنتاج، وهو ما يجعل توفّر اللّحوم البيضاء مضمونا.
أمّا بشأن اللّحوم الحمراء، فأشار إلى أنّ تكاليف التربية مرتفعة، حيث تمثل الأعلاف نحو 70 بالمائة من تكاليف الإنتاج، إضافة إلى الأعباء الأخرى كالخدمات البيطرية، مؤكّدا أنّ الإشكال الحقيقي يكمن في استمرار الاعتماد على الطرق التقليدية في تربية الماشية.
وأضاف أنّ هذه السنة عرفت تساقطا معتبرا للأمطار، وهو ما سينعكس إيجابا على المراعي خلال فصل الربيع، خاصة مع استيراد حوالي مليون رأس غنم بمناسبة عيد الأضحى، غير أنّ هذا الحل يبقى ظرفيا، وقال أنّ هذا الوضع يعطي أملا في تحسّن توفّر اللّحوم في السوق، لكن من المهم الاستمرار في دعم الإنتاج المحلي لضمان استقرار الأسعار.
وشدّد الخبير على ضرورة الانتقال إلى تربية الماشية عن طريق التكثيف، من خلال إنشاء مزارع كبرى، مؤكّدا أنّ الجزائر تملك الأراضي والمياه، خصوصا في المناطق السهبية، مستندا بذلك بولاية النعامة التي تتوفّر على حوالي مليوني هكتار من الأراضي الصالحة، إضافة إلى مخزون مائي هام.
وقال إنّ الاستغلال العقلاني لهذه الموارد يسمح بتخصيص مساحات واسعة، قد تصل إلى مليون هكتار، لتربية الأغنام بطريقة عصرية تعتمد على زراعة الأعلاف الخضراء، مثل البرسيم والذرة العلفية والشعير، والبحث عن أعلاف بديلة، ما يضمن الاكتفاء الذاتي مستقبلا ويقلّص اللّجوء إلى الاستيراد.
وأضاف مالحة، أنّ الاستيراد يجب أن يبقى حلا استعجاليا وليس دائما، لأنه في شكله الحالي يدعم فلاحين في دول أخرى بدل دعم المربي الجزائري، مؤكّدا أنّ الأزمة الماضية، خاصة خلال سنوات الجفاف، كشفت هشاشة وضعية المربّين الصغار الذين غادر الكثير منهم النشاط بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف وعدم قدرتهم على التمويل الذاتي.
وأوضح أنّ الجزائر تضم قرابة عشرين ولاية سهبية ورعوية، تضمّ عشرات الآلاف من المربين، ما يستدعي، بحسب قوله، إعادة هيكلة شعبة تربية الأغنام، ومرافقة المربّين الصغار، وعدم الاكتفاء بالبرامج الاستعجالية، بل الانتقال إلى برامج مستدامة تقوم على التنظيم والمتابعة والدعم الحقيقي.
وأكّد الخبير، أنّ بناء شعبة قوية لتربية الأغنام يتطلّب رؤية طويلة المدى، تقوم على التكثيف، والاعتماد على الإنتاج المحلي للأعلاف، وهيكلة المربين، بما يسمح مستقبلا ليس فقط بتحقيق الاكتفاء، بل حتى التوجّه نحو التصدير.
وأضاف، أنّ تحقيق ذلك يستدعي دعم المربّين وتنظيم نشاطهم، وتحسين ظروف تربية الأغنام، مع تشجيع إنتاج الأعلاف محليا لتقليل التكاليف، مؤكّدا أنّ هذا التوجّه من شأنه ضمان استقرار الشعبة وتوفير اللّحوم بشكل منتظم.
وفي الأخير، يبقى ضمان وفرة اللّحوم واستقرار أسعارها مرتبطا بدعم الإنتاج المحلي وتطوير طرق تربية الماشية، مع الإبقاء على الاستيراد كحل مؤقت فقط، فتعزيز شعبة اللّحوم محليا هو السبيل الأمثل لحماية المربّين، خدمة المستهلك، وتحقيق استقرار دائم في السوق الوطنية.






