مرساة الذاكرة في مواجهة أمواج النسيان..
يعتبر البروفيسور العيد جلولي أن في عصر التحوّلات التكنولوجية حيث تتزاحم الشاشات وتتنافس الآلات على خطف الانتباه، لا يفقد الكتاب مكانته، ولا يزول كما زالت الأسطوانات من قبل وكما تزول اليوم الأقراص المضغوطة، بل يعيد التعريف بدوره.
ويؤكد البروفيسور جلولي في تصريح لـ«الشعب” أن الكتاب يمثل تجربة عميقة مضادة للسطحية، يمنح القارئ ما لا تمنحه السرعة الرقمية من تأمل، وبطء جميل، وبناء علاقة حميمة مع القارئ، فالكتاب يؤكد محدثنا: “يستطيع تعزيز القراءة حين يقدم محتوى يمسّ أسئلة الإنسان المعاصر، ويقترب من لغته وهمومه، دون أن يتنازل عن العمق والجودة، كما أن توظيف التكنولوجيا لصالحه عبر الكتب الإلكترونية، والكتب الصوتية، والمنصات التفاعلية لا يعد استسلاما، فهو الامتداد الطبيعي لرسالته في الوصول إلى القارئ حيثما كان”.
وذكر البروفيسور جلولي أن منافسة الكتاب لوسائط الجذب الحديثة لا تقوم على تقليدها، بل على تقديم البديل الذي تفتقر إليه فهو يتميز عنها بالتركيز بدل التشتت، وبالمعنى بدل التدفق العابر، موضحا “وحين يتحوّل الكتاب الورقي في شكله القديم إلى مساحة هادئة للتفكير وسط ضجيج المعلومات، يصبح ملاذا نفسيا وثقافيا في آن واحد، كما أن تصميم الكتب بشكل جذاب، والاهتمام بالقضايا الراهنة، وربط القراءة بالأنشطة الثقافية والمجتمعية، يعيد للكتاب بريقه ككائن حي داخل المجتمع، لا كجسم صامت على الرفوف”.
ويضيف: “هكذا، لا يعيش الكتاب خارج عصر التكنولوجيا، بل داخله، يقاومها أحيانا، ويتحالف معها أحيانا أخرى، لكنه في كل الأحوال يظل الأداة الأعمق لبناء الوعي، وحفظ الذاكرة، وصناعة القارئ القادر على الفهم لا الاستهلاك فقط”.
وعن دور الكتاب في الحفاظ على الهوية الثقافية في زمن العولمة، يرى البروفيسور جلولي أن في هذا العصر، حيث تتشابه الصور واللغات حتى يكاد العالم يبدو نسخة مكررة من نفسه، يصبح الكتاب واحدا من آخر الحصون الهادئة التي تحمي ملامح الهوية الثقافية، فالكتاب يحمل روح المجتمع، لغته، أمثاله، حكاياته، ذاكرته الجماعية، وطريقته الخاصة في رؤية العالم، والكتاب يحفظ اللغة، واللغة هي القلب النابض للهوية، حين نقرأ بلغتنا، فإننا لا نستخدم مفردات فحسب، بل نستعيد تاريخا كاملا من التجارب والتصورات، الأدب تحديدا يصون التعابير المحلية، والإيقاع الثقافي الخاص بكل مجتمع، في وجه هيمنة اللغات العالمية التي قد تذيب الفروق الدقيقة بين الشعوب” كما يشير البروفيسور جلولي.
وقال محدثنا إن الكتاب يسهم في حفظ الذاكرة، فالروايات والسير وكتب الأدب كلها تشكل أرشيفا شعوريا وثقافيا للأمة في عالم سريع النسيان، فالكتاب يبطئ الزمن ويمنح الأجيال الجديدة فرصة التعرّف على جذورها، وعلى أفراحها وآلامها، وعلى المسار الذي صنع حاضرها.
ويرسّخ الكتاب كذلك حسبه، الخصوصية الثقافية لا بوصفها انغلاقا، بل كحوار، مؤكدا على أن الهوية لا تحفظ بالعزلة، بل بالوعي بالذات أثناء الانفتاح على الآخر، لأن الكتاب الجيد يقدم ثقافتنا للآخرين بصورة إنسانية عميقة، ويجعلنا في الوقت نفسه نقرأ ثقافات أخرى من موقع الندية لا الذوبان.
وسجّل محدثنا أن الكتاب يمنح القارئ مسافة نقدية في زمن الثقافة السريعة والعابرة، ويساعدنا على التفكير، والمقارنة، وطرح الأسئلة حول ما نستهلكه من أفكار وصور، وهذه القدرة على التفكير هي التي تحمي الهوية من التحوّل إلى مجرد تقليد أعمى.
وفي مقابل ذلك، يتجّه محدثنا إلى التأكيد على أنه رغم السطوة التكنولوجية ما زال يمكن الحديث عن القراءة الورقية لا بوصفها بقايا زمن مضى، بل كخيار ثقافي له معنى خاص، فالورق لا ينافس الرقمي في السرعة أو الانتشار، لكنه يقدم نوعا مختلفا من العلاقة مع النص، علاقة وصفها بأنها أبطأ، لكنها أعمق، وأكثر تركيزا، فحين يمسك القارئ كتابا ورقيا، ينفصل – ولو مؤقتا – عن سيل الإشعارات والتشتت، ويدخل في مساحة ذهنية تسمح بالتأمل وبناء الفهم المتدرج، لا الاستهلاك السريع، متشبثا بأن مدى الحديث عن القراءة الورقية في عصر التكنولوجيا مرتبط بمدى حاجة الإنسان إلى التركيز، وإلى العزلة الجميلة مع فكرة، وإلى علاقة حميمة مع النص، ما دام الإنسان يحتاج إلى هذا العمق الداخلي، سيبقى للورق مكان، ليس كبديل عن التكنولوجيا، بل كمساحة إنسانية تحمي فعل القراءة من التحوّل إلى مجرد تمرير للعين فوق الكلمات.





