ليس على «الشعب» بعزيز أن تعمّر كل هذا العمر الطويل، وأن تبلغ هذا الرقم الساحق؛ فهي اليومية الأولى في تاريخ الصحافة الوطنية في جزائر الاستقلال، وقد تعزّزت – لاحقا – بالنصر والجمهورية والمساء..
لم تكن «الشعب» مجرّد حال لسان الحزب الحاكم آنذاك، بل كانت صوت الشعب الجزائري كلّه في أفراحه وأتراحه.. وأما على الصعيد الثقافي فقد كانت الجريدة ذاكرة الثقافة الوطنية وتاريخها الأدبي المشرق؛ وقد أتيح لي – حين كنتُ أنجز كتابي (خطاب التأنيث) عام 2008- أن أعيش في الأرشيف أجمل اللحظات وأنا أعيش تاريخ طفولتي وما قبل ميلادي من خلال تصفّح مئات الأعداد من يومية (الشعب)، فلفت انتباهي العجب الأدبي العجاب النائم في بطنها، ومن ذلك، أنها كانت تنشر كتبا مسلسلة لكتّاب جزائريين سبق لهم نشرها في دور نشر بعيدة خارج البلاد، لكن «الشعب» استطاعت بهذه الوسيلة أن تيسّر على القارئ سبيل الوصول إليها؛ كما فعلتْ مع كتاب عبد الله الركيبي (دراسات في الشعر الجزائري الحديث) الذي نُشر في القاهرة عام 1962، وأعادت «الشعب» نشره مسلسلا في منتصف 1964 عبر 23 حلقة.
كذلك نشرت ترجمة حنفي بن عيسى لــ (الصاعدون إلى الجبل) لمراد بوربون سنة 1963، وترجمته لــ (الوداع الأخير) لمالك حداد سنة 1964..
وأذكر في سياق الحديث عن هذه القطوف الأدبية الدانية النادرة أنني كنتُ في حديث تاريخي مع الصديق الكبير الشاعر الراحل عمر البرناوي، فاستغرب بإعجاب كبير وأنا أحدثه عن مسرحيته الشعرية النادرة (شاعر بلا قلب) التي لم يُعد نشرها منذ نشرتها الأولى في ثلاث حلقات بجريدة (الشعب) في أفريل 1966.
ثم استغرب أكثر حين حدّثته عن موشح شعري عجيب نشره في أواخر الستينيات بالجريدة ذاتها، كان هديته الاستثنائية لصديق عمره بلقاسم خمار (رحمه الله) في يوم زواجه!.
أذكر كذلك أنني أيام الدراسة الثانوية -في منتصف الثمانينيات- كنتُ مواظبا على اقتناء «الشعب» لمجرد أنها كانت تنشر –في حلقات- رواية (عزوز الكابران) للراحل مرزاق بقطاش، و(حيزية) للراحل عبد الملك مرتاض، وذلك في صفحة عنوانها (روايات-مذكرات).
أما على الصعيد الشخصي، فإنني أقرّ لجريدة «الشعب» بفضل كبير في رعاية موهبتي الإبداعية والنقدية أيام الطفولة الأدبية؛ فقد نشرتُ فيها قصائد وخواطر أولى أواخر الثمانينيات، وحاورتني الجريدة حوارا ممتعا عام 1990، وفيها أيضا خضتُ معارك نقدية عاتية مع الشاعر محمد شايطة (صديقي العزيز لاحقا)، وعاركتُ نجيب حماش (أنزار) وعادل صياد الذي وصفني بشظية من جثة ابن سلام الجُمحي وأنا أرسم طبقات فحول شعراء الثمانينيات!.
وفي «منتدى المواهب» الذي تداول على إدارته عياش يحياوي والصادق بخوش ومحمد دحو، نشرتُ مقالات عن الغموض الشعري، وعن نقد النقد (1988)، وعن انحراف قطار النقد عن سكته (1988)، وقدّمت قراءات نقدية في نصوص لأبناء جيلي (ومنهم د.عبد الرحمن شريط)،…
وعلى العموم فقد لعبت «الشعب» في الحياة الأدبية لجزائر الاستقلال، ما لعبتْه «البصائر» في أدب ما قبل الاستقلال، سوى أن الثانية كانت أسبوعية، وقد أصدرت 541 عددا على امتداد أعوامها الخمسة عشر، بينما ظلت «الشعب» يومية وقد أصدرت عشرين ألف عدد خلال عمرها الستّيني المبارك!
كل عام و»شعبُنا» بخير..






