في الوقت الذي يعلن منطق الفكر المثالي فيه عقمه وبؤس منهجه في ظل عصر اتسم بالخلق وإبداع نوع من الثقافة والفن الجديدين المعاديين في الأساس لكل ما يشكل حجر عثرة أمام التقدم الاجتماعي للشعوب نلفي معظم كتابات «مفكرينا» ومثقفينا أسيرة منطق هذا الفكر ومنهجه في عمليات الطرح والتحليل والاستنتاج، وسواء أكانت واعية بذلك أو لم تكن، فهي – في نهاية المطاف – لا تعمل إلا على تمييع الجوهر الحقيقي للتناقضات والصراعات الاجتماعية التي قد تبرز بشكل أو بآخر من خلال قضايا ذات طابع سياسي إيديولوجي أو ثقافي فني، وعلى إفراغها من مضامينها الاجتماعية قصد تحييدها وإظهارها بمظهر تجريدي..
ويأتي عمل صاحب المقال في هذا الإطار رغم «حسن نيته» أن طرحه قضية الأغنية العربية وضمننا «لأزمتها» من منظور منهج الفكر المثالي قد جعله يحصر جوهر هذه الأزمة كله في رداءة الكلمات، عدم الأخذ أو التفريط في القديم، التقليد والتكرار !! ويسقط في نوع من التناقض عندما يريد «باختصار « – على حد تعبيره – من الأغنية العربية «أن تواكب كل تطلعاتنا وتصور حياتنا من كل جوانبها الايجابية والسلبية لخلق تفاعل مؤثر يساهم في التغيير الاجتماعي».. غريب شأن «قدادرة» هذا أنه من زاوية يجرد أزمة الأغنية العربية من أي محتوى اجتماعي، ومن زاوية أخرى يطلب من الأغنية العربية أن تساهم مساهمة غير مباشرة في «التغيير الاجتماعي» !!.
إن «الأزمة» التي تعيشها الأغنية العربية، وبشكل عام الثقافة العربية، هي في الحقيقة امتداد عضوي لجوهر الأزمة المتمثل في أزمة بنيات اجتماعية عربية، وهذا ما ترفض أدبيات المنطق المثالي الإجابة به، أو الكشف عنه، لأنه تعرية لجميع مصالح البورجوازيات العربية العليا المتناقضة ورغبات الجماهير العربية.. إنه لمن المستحيل «يا أخ قدادرة» خلق أغنية جماهيرية عربية إن ظلت البنيات الاجتماعية العربية محافظة على تراكيبها الطبقية وعلاقاتها الاستغلالية..
في نقض النظرة التاريخية للأغنية العربية
من خلال طريقة التحليل التاريخي الذي استهل به صاحب المقال المذكور حديثه عن الأغنية العربية، نستنتج أن حركة التاريخ لا تعني بالنسبة إليه سوى خط أفقي متصاعد وأحادي الجانب خاضع لـ»سنة التطور»، إذ تدخل عمليات التطور التي شهدتها الأغنية العربية في هذا الإطار ليس غير، إن الحديث عن تطور الأغنية العربية يجب أن يطرح في نظرنا داخل هيكل تاريخها الاجتماعي المرتبط أساسا بالتطور الروحي والمادي لواقع الجماهير العربية، وعلى هذا الأساس لا نرى أن التطور الجوهري للفن يتم بمعزل عن التطورات المادية التي عرفتها البنيات الاجتماعية العربية في مختلف مراحلها التاريخية، والتطور في نظرنا أيضاً لا يعني فقط إضافة جديدة للقديم! كما يدعي الأخ المذكور، بل هو خطوة نحو القطيعة والتجاوز لكل ما هو قديم بائد ومعيق، والأغنية العربية الحديثة ليست كلها محمد عبد الوهاب، كوكب الشرق والعندليب الأسمر وهلم جرا كما تروج لذلك معظم وسائل إعلامنا العربية، إن هذه الأغنية التي قد تبدو جماهيرية في الواقع أمست بصورة أو بأخرى لا تعمل إلا على «تغريب» جــماهيرنا الشعبية العربية وتضليلها.. إنها في كل مواويلها وزفراتها لا تقوم إلا بنشر روح الــيأس والقنوط والانهزامية وتــــــــكريس علامات القهر بتعتيمها لمــــــــصدر القحط والحرمان الاجــــــــتماعي والعاطفي الذي يقاسيه الشعب العربي الكادح، لكن أخذنا على الأغنية العربية الرسمية هـذا المأخذ، لا يؤدي بنا إلى إجحاف لكل ما قد ساهمت به هذه الأغنية على المستوى الفني-الجمالي، بل حتى على المستوى الاجتماعي-الســــــــياسي في مرحلة كان الاصطــدام فيه مباشرا مع الامبريالية – الكولونيالية والصهيونية، تمثل ذلك بعض أغاني «أحمد وهبي» وأناشيد «السيد درويش»، محمد عبد الوهاب و «أم كلثوم» وغيرهم التي كانت تكتسي طابعا وطنيا وقوميا معاديا للاستعمار .
إن الأغنية العربية الحقة هي أغنية الجماهير العربية المسحوقة لا أغنية طبقة البورجوازيات العربية السائدة.. إنها الأغنية التي تعبر بصدق عن معاناة الفلاحين والعمال وجميع المهمشين.. ولهؤلاء أغنيتهم التي عتمتها وسائل الإعلام ردحا من الزمن ولا تزال !! باسم «فلكلورية» هذه الأغنية، و»شعبيتها» الساذجة و»ضيق أفقها»!! لكن رغم هذا التعتيم والقمع، فإن هذه الأغنية ظلت تعلن وجودها بجرأة.
عن إشكالية الخلاصة:
إن الخلاصة التي انتهينا إليها هي في حد ذاتها إشكالية جديدة ما دمنا في الحقيقة لم نرد مـــن خلال تـــدخلنا المقتضب هذا إلا محاولة إعادة طرح جـــديد نراه أكثر علمية لقضية «الأغنية العربية»، واعتقد أنه من خلال هذا الوضوح في الطرح، قد تـــــكون التعقيبات الآتية المدخل الحقيقي لدراسة أسباب تأزم الأغنية العربية بشكل عام والجزائرية بـــــشكل خاص، ويبقى تدخلنا هذا مجرد وجهة نظر..
10 ديسمبر 1981





