أحمد وهبي أحد أعضاء الفرقة الفنية لجبهة التحرير ، ومن أوائل من لبوا نداء الحرية والكفاح ، حين تكلمه عن تلك الأيام الخالدة التي جمعتهم تحت لواء رائدة الثورات والتحرر جبهة التحرير الوطني تنطبع على وجهه بسمة عريضة تتبعها تنهيدة يجترها الحنين، وكأنه يشكرك على أنك حملته إلى أسعد أيام حياته وأعزها ، وكيف لا يكون الإنسان سعيدا بها وقد حررته من القيد والعبودية وأعادت له سيادته وحملته اسما وعلما ووجدانا وإنسانا ذا سيادة في المجموعة الدولية؟!
بمثل هذه الكلمات كان أحمد وهبي يبدأ كلامه في كل مرة أحدثه عن ذكريات وجوده ضمن فرقة جبهة التحرير الوطني وجيشها، وفي لقائي الأخير به سألته عن هدف تكوين الفرقة فأجاب:
شخصياً لم أكن أعرف أبعاد ذلك في أول الأمر ، فعندما وصلني نداء الجبهة شعرت بشيء واحد، أنه الواجب والفريضة المقدسة التي يفرضها الواجب الوطني ولا بد لي من تلبيتها ووضع نفسي تحت تصرف الجبهة وجيشها، وبكلمة أخرى في خدمة الثورة والبلاد، وبعد ذلك، وبانتمائنا للنظام الثوري بدأت دروس الوعي والتنظيم السياسي بقيادة الجبهة تأخذ طريقها إلى نفوسنا، لقد جندنا أنفسنا للكفاح المسلح مثل أي جندي مكافح، إلا أن الجبهة وجهتنا لمهام أخرى لا تقل أهمية عن دور الجندي.. ساعتها أدركنا أبعاد تكوين هذه الفرقة، منها التعريف بالثورة الجزائرية بالطرق الإعلامية اعتمادا على رجالها وأبنائها المخلصين، لكونهم خير رسلها وسفرائها، ثانيا : إحباط كل مؤامرات الاستعمار في إخماد وإفشال ثورتنا سواء في الداخل أو في الخارج، ثالثا: رفع معنويات شعبنا، وكان الاستعمار يزرع في دعاياته أن جيشنا يعيش في ضيق وعزلة، وأنه مجبر على البقاء في الجبال من طرف بعض الأشخاص، فبرهنا للعالم عامة أن جنودنا أحرار، وقد التحقوا بالجبال والكفاح مؤمنين بقضيتهم، وفي جولتنا إلى الدول الشقيقة والصديقة، كنا نعرض بعض المظاهر لجيشنا، في لباسه وسلاحه وأفكاره ومعنوياته ونظامه، الشيء الذي أدهش الأجانب الذين كانوا يحملون في أذهانهم صوراً خاطئة زرعها الاستعمار ، من ذلك أننا متوحشين ننتمي إلى قارة متوحشة اسمها إفريقيا، وأننا شعب بل أناس لا ثقافة لهم تعمل فرنسا على تعليمنا وتهذيبنا وإدماجنا في عالم الحضارة، فكذبنا ذلك بعروضنا الثقافية، وأعطيناهم صورة حية عن ثقافتنا، وعاداتنا وتقاليدنا وتاريخنا القديم الأصيل في كل ما قدمناه من غناء و «باليه» ومسرح، ولنا ذكريات كثيرة لو اجتمع كل أعضاء الفرقة ورووها، لكونا بذلك كتاباً تاريخياً يرسم نضال فرقة فنية بقيادة جبهة التحرير لا يقف في طريقها تعب ولا ملل، ولا يضايقها حاجز المسافات الطويلة، ولا يرهقها عمل الليل والنهار، تلك أيام سعيدة جداً، تعلمنا فيها حب التضحية والتغلب على المصاعب وإنكار حب الذات، فالتعاون والعمل الجماعي كانا وسام كل واحد منا، كنا كلنا نساهم في بناء الخشبة ووضع «الديكور»، ثم تجدنا بعد ذلك على الخشبة نغني أو نرقص أو نمثل، ولم يكن أحدنا مسؤولاً يعطي الأوامر، بل كل مسؤول وعامل، ويعرف عمله، وكم كنا نبني آمالاً لعهد الاستقلال ومواصلة المسيرة بلا منازع، وكنا في كل بلد ندخله نعطي صورة نقية طاهرة شريفة عن الجزائر وشعبها، ونترك تأثيراً كبيراً في نفـوس أهل ذلك البلد، وحباً كبيراً للجزائر وشعبها وثورتها في قلوبهم، وعلى سبيل المثال الشعب الليبي، وحتى من الناحية الفنية كانت عروضنا في المستوى وأدهشت الكثيرين، فكان إيماننا كبيراً.. وحتى في أعمالنا الفنية، نلحن بجد وقوة تتماشى وقوة ثورتنا، وإذا غنينا نجعل نصب أعيننا الجزائر، وإذا مثلنا نبرهن على ثقافتنا وتاريخنا وماضينا المجيد وحاضرنا المتدفق ثورة ونضالاً.. ولا يسعني هنا إلا أن أزف التحية إلى أرواح شهدائنا وإلى الذين سمحت لهم الإرادة الإلهية برؤية الجزائر مستقلة.. وأتمنى أن يقتدي شبابنا بروح ثورتهم المستمرة بقيادة جبهة التحرير الوطني.
03 ديسمبر 1981






