الغيوم تتراكض شاحبة اللون مكفهرة.. السماء الصافية تستقبلها باشمئزاز .. القرية رابضة في رزانة، تبدو صابرة في إيمان.. الفلاحون يتكلمون كثيرا عن بركات السماء.. «سيدي الطاهر» أخبر زواره أن هذا العام سيكون مهما.. دوي الجرارات يصل إلى آذان الفلاحين فينصتون في انسجام.
رفع عمي مسعود رأسه إلى السماء وقال في غبطة خفية:
يبدو أن الخريف هذا العام قد أسرع، فلقد رزقنا الله بغيث نافع وما زلنا في حاجة إلى رزقه..
وأجابه صوت بجانبه:
الله يرزق.. ولكن قل لي عمي مسعود ماذا تنوي أن تفعل بهكتاراتك السبعة هذا العام.. هل تكتريها «للحاج» كالعادة وبقنطارين كذلك؟
اعتدل عمي مسعود في جلسته وتلمس جيبه الأيسر وأخرج «قرن الشمة » المزخرف وحاول أن يبدو هادئا في فتحة، وتسربت أصبعه الغليظة إلى أحشاء «القرن» فأخذ كمية لا بأس بها واستنشقها بقوة كمن يستنشق وردة عطرة، ثم أخرج منديله الأحمر فمسح آثار « الشمة » وقال في صوت رزين ضاغطا على الكلمات وكأنه ألهم بحكمة خالدة:
«كل ليل لا بد يطلع نهارو.. الفجر قرب.. واسمعنا تغريد طيارو.. وما يبقى في الواد غير أحجارو..»
– إنك حركت لي بسؤالك «الدبرة» ألقد تحصلت على قرض استطيع أن أزرع به هكتاراتي.. قد يفضل قنطار أو أكثر.. سأحرث أرضي بنفسي.. سأحرثها بفأسي بل أسناني.. ولن أسلمها «لموريسنا» الحاج – حاشا مكة – .. إيه إيه.. لقد عشت زمنا طويلا، أنا وأرضي، كالمتاع.. ما زلت أتذكر الهكتارات الثلاثة المحاذية للوادي.. كانت تربتها كالذهب.
وبدأ عمي مسعود كأنه شاعر مفتون يتغزل بفتاه – وتابع حديثه بمرارة :
لقد اشتراها علي عام «الشر» بقنطار ونصف من الشعير.. نعم بقنطار ونصف.. لعن الله الجوع كان يهدد أبنائي السبعة، وكانت زوجتي قد قعد بها المرض منذ عام.. كانت تجر نفسها جرا، وقبل مرضها كانت تعينني على «هم الزمان» .. تقضي نصف النهار في بيت الحاج، والنصف الآخر تنشغل فيه بالأولاد.. وكنت يومها أجيرا عنده في ضيعته الثالثة.. كان عملي يبدأ من الفجر وقبله إلى ما بعد العشاء في كثير من الأحيان..
وابتسم عمي مسعود في استهزاء، وقال : أتدري جزاء هذا العناء؟.. كان لا يتجاوز دينارين ونصف، وفي بعض الأحيان ما يقرب من «قلبة» من الشعير.
تدخل في الحديث «الحنافي» وهو من صنف عمي مسعود أخلاقا ومهنة، قائلاً: الغريب أنني كنت أعمل أنا ورفاقي عند الحاج «العايش»، وكانت نفس الأجور التي نتلقاها منه.. لا حول ولا قوة إلا بالله، كأنهم على اتفاق هؤلاء الثعابين.
– أما نحن العمال.. نحن الفقراء، فقد قمنا بالواجب في الثورة وعند ذهاب المعمرين أيضاً يا عمي مسعود.
– أي المعمرين تقصد؟
– أو تظن أني أقصد «صاحبك» الحاج « موحه ».. لقد وجدته في الحمام ليلة السوق وهو عادة يختار هذه الليلة للاغتسال، كان حوله مجموعة من الفلاحين.. كانوا يستمعون إليه في استسلام وهو يتحدث في تفضيل الله العباد بعضهم عن بعض في الرزق.. فكتب للبعض الغنى الدائم وللآخرين الفقر الدائم.. ثم سمعته يتأسف كثيراً من ضيعة «كوتير» قائلاً :
– لقد كانت تنتج آلاف القناطير في كل سنة، ولكن إنتاجها الآن لا يزيد عن الألف .. ثم إن الدين الإسلامي دين الحق.. لا يقبل بهذه التصرفات.. كيف انتزع منك شيئاً أعطاه لك الله..
وهنا صرخ شاب كان في زاوية الحمام في صوت يشبه منبه سيارات المطافئ:
– فاقوا .. فاقوا..
فهم أنه يعنيه، فبدل الخبيث حديثه بحيلة دون أن ينتبه الفلاحون بجانبه!
ينتبه الفلاحون! لست أدري متى نبلغ إلى ذلك الحين؟ إننا كالسواقي الكثيرة سيكون شأنها عظيماً عندما تجتمع في نهر واحد.
– ها هو، لخمييسي، قد أقبل..
– السلام عليكم يا رجال..
قالها في استرخاء.. تفرس فيه عمي مسعود وقال:
أراك شاحب الوجه، هل ذلك من السفر أم من كثرة العمل؟
الشرف يا عمي مسعود الشرف.. وخبز الأولاد أيضاً.. لقد كنت عند لجنة التسيير وعدوني بالعمل هناك بعد أن اطلعوا على أمري.
– عهدي بك تشتغل خماسا عند «العايش».
– لقد طردني من العمل، وأخرجني من السكن، لأني رفضت أن أزوجه ابنتي الوحيدة التي لم تبلغ بعد السابعة عشر سنة.. لكي يهينها وتعود إليّ ذليلة فلن أستطيع أن أرفع رأسي بعدها أمام الناس..
– ابنتك له.. لصاحب الثلاث نساء .. لصاحب خمس وخمسين سنة.. يا له من خبيث.. الشيب والعيب..
وصمت الجميع برهة كأن كل واحد منهم يستعرض ما مر به من مثل هذه الأنواع من المواقف.. والتفت عمي مسعود إلى زملائه قائلاً :
– يجب أن نفعل شيئاً.. كلنا أبناء تسعة أشهر..
– هذا «البشير» يقترب بقد كن في المدينة.. لا شك أنه يحمل أخباراً جديدة.
وما كاد البشير يصل حتى سمع صوتاً يناديه
– اربح .. اربح..
– السلام عليكم يا رجال
– عليكم السلام..
وبادر عمي مسعود يسأله بلهفة:
ما هي أخبار المدينة يا البشير ؟
– أخبار مهمة، وبشرى عظيمة.. لكن يجب أن أشمّ أولاً يا عمي مسعود .. لقد أخبرني سي الطيب – وهو لا يزيد ولا ينقص – أنهم سيقدمون لنا قروضاً لشراء الحيوانات ومحركات المياه والجرارات.. وستُوزع الأرض على الذين لا يملكون شيئاً .
سرح عمي مسعود بفكره قليلاً وسمع نفسه تردد: هذا العام سيكون مهماً، صدق سيدي الطاهر.. والتفت إلى البشير قائلاً :
– الله يبشرك بالخير..
وتراءت له آمال عريضة، ولكنه رأى من الأفضل أن يناقشها وحده، على انفراد، أو مع زوجته – رغم أنها لا تتأثر إلا نادراً –
اتفق عمي مسعود مع بعض زملائه على أن يلتقوا غدا في المدينة.. إنه يوم السوق وهي مناسبة لاستنشاق هذه الأخبار الهامة وجلب كمية من السكر والقهوة ويشيع زغلان من القرس، وبعض أرطال من «الغرس»، وتذكر آنية البترول فابتأس قليلا .. ذلك القنديل اللعين، إنه يرهق ميزانيته باستمرار..
نهض من مكانه بخفة، فقد طغت هذه الأخبار الجديدة، على آثار القنديل، وربما حتى على الإهانة التي لحقت بلخميسي.. اختلطت في داخله عواطف مختلفة تتميّز في مجموعها بتفاؤل كبير، في أحشاء هذه المواقف المختلفة، هناك خيط رقيق يدعو عمي مسعود للانتقام..
سار إلى منزله وقد ترك وراءه الجماعة.. «ربي يجعل في ما فيه الخير والصلاح .. وفي طريقه، سمع أحد الزوار وهو في طريقه إلى سيدي الطاهر، يردد شوقاً : ربي عالم وأنا حاكم الثنية.. نزور سيدي الطاهر وبركتو قوية شايلله بيه.. أنا وعد بالنية تغنى الوديان متى بالمية..
توقف عمي مسعود عن السير وبدأ كأنه تأثر مما سمع.. وحاول أن يقارن بين ما سمعه من هذا الزائر وما سمعه من البشير هو يسر إلى بيته، ثم حرك رجليه للأمام وهو يتمتم: «زيارتو لازمة إذا تحققت الأمنية»..
وما كاد يدخل منزله حتى نادى زوجته : «آخروفة»، وطلب منها أن تنظف «القندورة» و»الشاش»، وأن تخيط مقبض القفة.. وقال لها مداعباً: «سأقص لك أخباراً هامة.. وسنزوج خالداً في الخريف المقبل»..
أشرق محيا «خروفة» بابتسامة رائقة رغم التجاعيد التي رسمتها السنين التي مرت بها قائلة في طمأنينة : إن شاء الله وبركة الأولياء والصالحين..
نامت خروفة نوماً هادئا.. أما هو فقد راح يستعرض هذه الأفكار والآمال حتى أصابه الأرق فأخذ يتحرّق شوقاً إلى بزوغ الفجر.
نهض من فراشه عندم أعلن الديك اقتراب الفجر .. أشعل القنديل.. رأى زوجته منكمشة في ذلك الغطاء البالي كأنها علامة استفهام.. أشفق أن يوقظها .. لا شك أنها تحلم بمشروعها العظيم.. واتجه إلى السوق ومع ذلك ما تزال الأفكار مزدحمة في رأسه، وأحس بدماغه انقلب إلى محطة كبيرة التقت بها حافلات كبيرة.. إذن سيحرت أرضه.. لعله يستطيع أن يغرس هكتارين أو ثلاثة خضرا وفواكه.. اليوم على المكان الذي يجلس فيه.. سيزوج ابنه في الخريف المقبل.. سيمر الحاج وسيكون رافع الرأس، شامخ الأنف.. رغم أن كتفه الأيسر يبدو أكثر انحناء من كتفه الأيمن، فقد مرت عليه آلاف القناطير عندما كان يعمل أجيراً عنده بالإضافة إلى الخمسين عاماً التي حملها على كتفيه..
أفاق عمي مسعود عندما لامست وجهه أشعة الشمس التي بدا نصفها من فوق الهضبة.. رفع عينيه فرأى الغيوم تتقلص في اتجاه الغرب وبدت له المدينة ناصعة البياض تلفها الخضرة فأحس بسرور لهذه الصورة الجديدة..
مرزوقي سليمان – قسنطينة
20 جانفي 1972





