احتضنت كلية اللّغة العربية وآدابها واللغات الشرقية بجامعة الجزائر 2 محاضرة علمية قدّمها الأستاذ عبد القادر بوعزارة، بعنوان: «الموسيقى والأدب: تاريخ تفاعل إبداعي وإنساني»، وذلك في إطار الانفتاح على القضايا الجمالية والفكرية التي تعيد طرح العلاقة بين الفنون بوصفها مكوّنات أساسية في بناء الوعي الثقافي والإنساني.
جاءت هذه المحاضرة لتؤكّد أنّ الموسيقى والأدب ليسا مجالين منفصلين أو متوازيين فحسب، بل يشكّلان معا وحدة عميقة في التجربة الإنسانية، حيث يتكامل الصوت مع الكلمة، واللحن مع المعنى، في إنتاج خطاب جمالي قادر على التعبير عن أعمق الانفعالات الإنسانية وأرقى أشكال الوعي.
انطلق عبد القادر بوعزارة من فكرة مركزية مفادها أن الموسيقى علم وفكر وثقافة، لها دور جوهري في تهذيب الذوق وبناء الشخصية الإنسانية؛ فالموسيقى – كما أوضح المحاضر – تؤدي وظيفة تربوية وروحية ومعرفية، وتُسهم في تشكيل الوجدان الفردي والجماعي.
واستند بوعزارة في طرحه إلى عدد من الرؤى الفلسفية التي أكدت على القيمة التربوية للموسيقى، مبرزا أن علاقتها بالأدب جدلية قديمة تعود إلى الفكر الإغريقي، حيث لم يكن هناك فصل بين الشعر والموسيقى، لأن الإلقاء الشعري كان دائما مصحوبا بالآلة الموسيقية، كما في الشعر الغنائي الإغريقي الذي كان يُؤدّى على آلة «اللير» (Lyre)، ومنها اشتق مصطلح «الغنائية» في الأدب الحديث، ليبين أن الشعر منذ بداياته الأولى كان قائما على الوزن والإيقاع والقافية، وهي عناصر موسيقية داخلية تجعل النص الأدبي قابلا للغناء قبل أن يكون مجرد نص مكتوب، وهو ما يدل على أن الأدب في جذره الأول كان موسيقيا بطبيعته.
الموسيقى والهويّة الثّقافية
وأكّد بوعزارة أنّ الموسيقى عنصر أساسي في تشكيل الهوية الثقافية والذاكرة الوطنية، إذ تعبّر عن تاريخ الشعوب، وآلامها، وأحلامها، وتحفظ وجدانها الجمعي عبر الزمن، وأضاف أن الفلسفة والأدب كان لهما تأثير مباشر على كبار المؤلفين الموسيقيين في التاريخ، حيث استلهم كثير منهم أعمالهم من النصوص الأدبية والرؤى الفكرية الكبرى.
وخلصت الندوة إلى أنّ العلاقة بين الموسيقى والأدب ليست عرضية أو شكلية، بل هي علاقة عميقة ومتجذّرة في تاريخ الإنسان، تقوم على التكامل بين النص واللحن في صناعة تجربة إنسانية راقية، وتمثل معا أحد أرقى تجليات الحضارة الإنسانية ولغتها الجمالية الكونية.




