إرادة سياسيــة فلاذية.. بنيـة تحتيـة عملاقة مشــروع ضخـم للسكـة الحديديـــة
الطريـق العابـر للصحراء..خزان استراتيجي وسـوق استهلاكي مستقبلـي
تعرف الجزائر الجديدة في السنوات الأخيرة لاسيما مع بداية العام الجديد حراكاً تنموياً غير مسبوق يتجاوز حدود الإصلاحات التقليدية ليرسم ملامح قطب اقتصادي وجيوسياسي متكامل، حيث تتجه الأنظار نحوها كبوابة حقيقية لا غنى عنها لتعزيز التعاون الإقليمي بين شمال إفريقيا، دول جنوب الصحراء، والقارة الأوروبية، وتأتي هذه الديناميكية المتسارعة تجسيداً للرؤية المتبصرة لرئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الذي يقود مرحلة تحوّل شاملة وضعت الجزائر في مصاف الدول المؤثرة وصانعة القرار الاقتصادي في المنطقة.
لم تعد المقاربة الجزائرية لتعزيز الدور الإقليمي، تقتصر على الانكفاء الداخلي، بل انفتحت بذكاء على محيطها الحيوي لتكون همزة الوصل التي تربط قارات العالم القديم ببعضها لاسيما في مجال الطاقة والمعادن بمختلف أنواعها.
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة التحوّلات الاقتصادية التي تعرفها الجزائر خلال هذه السنة بمعزل عن البنية التحتية العملاقة التي شيدت أو يجري تشييدها، ولعل أبرز ما يترجم هذه الإرادة السياسية هو مشروع السكة الحديدية الضخم الذي دشنه رئيس الجمهورية خلال الأيام الماضية، والذي يربط تندوف ببشار على مسافة 900 كلم وصولاً إلى وهران، ويرى الخبراء أن هذا الخط الحيوي من شأنه أن يتحول الى شريان حياة لمنطقة الجنوب الغربي كما من شأنه أن يرفع الجزائر إلى مصاف الدول المتقدمة في مجال اللوجستيات، علاوة على ذلك، فإن هذا الإنجاز يتكامل مع الموقع الجغرافي الفريد للجزائر التي تتوسط شمال إفريقيا وتمتلك واجهة بحرية إستراتيجية لأكثر من 1200 كلم ومنافذ برية نحو سبع دول جوار، ما يؤهلها لتكون المنصة اللوجستية الأولى التي تربط آسيا وأوروبا بالعمق الإفريقي.
وبالرجوع للحديث عن الثقل الدولي، جاءت زيارة المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجييفا، إلى الجزائر واستقبالها من قبل رئيس الجمهورية لتضع «ختم الجودة» الدولي على صحة المسار الذي تنتهجه البلاد، حيث تتعدى إشادتها كونها مجرد مجاملة دبلوماسية بقدر ما كانت تعكس قراءة دقيقة لمؤشرات تعافي الاقتصاد الوطني بشكل عام، إذ أكدت جورجييفا أن الجزائر حققت تقدماً مبهراً في الاستقرار الاقتصادي الكلي وانخفاض معدلات التضخم (أقل من 1.5 ٪ الى غاية نوفمبر 2025 بحسب الديوان الوطني للإحصاء)، وهو ما يعتبر ثمرة مباشرة للإصلاحات الهيكلية التي أطلقها الرئيس تبون لتنويع الاقتصاد والخروج من التبعية لقطاع المحروقات، كذلك، فإن انبهار مسؤولة المؤسسة المالية الدولية بـ «قوة وديناميكية الجزائر» يعكس عودة الروح للبلاد كوجهة آمنة وجاذبة، خاصة مع تركيز الدولة على دعم ريادة الأعمال والاستثمار في الشباب كقوة محركة للمستقبل.
ومن جانب آخر، وفي ظل الاضطرابات التي يشهدها العالم وتأثر سلاسل التوريد العالمية، تبرز الجزائر كشريك موثوق يمتلك مفاتيح الحل لمعادلة الطاقة والأمن الغذائي، فمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (نيجيريا – النيجر – الجزائر) يقف شاهداً على الثقة الكبيرة التي تحظى بها الجزائر لدى الشركاء الأفارقة والأوروبيين على حد سواء، فهذا المشروع العملاق لنقل أكثر من 25 مليار متر مكعب سنويا من الغاز الطبيعي لا يعكس فقط القدرات التقنية للجزائر، بل يؤكد استتباب الأمن والاستقرار الذي تنعم به البلاد تحت قيادة الرئيس تبون، مما يجعلها الممر الأكثر أماناً ونجاعة لنقل الطاقة من إفريقيا إلى أوروبا، وبالإضافة إلى ذلك، فإن إحياء الطريق العابر للصحراء يربط الجزائر بأسواق واعدة في دول جنوب الصحراء التي تضم كثافة سكانية تتجاوز المليار نسمة، مشكلة بذلك خزاناً استراتيجياً وسوقاً استهلاكياً ضخماً يسيل لعاب المستثمرين حول العالم.
كذلك، يرى خبراء أن التكامل الإفريقي في الجزائر تحول من مجرد شعار إلى ممارسة اقتصادية، والمشاريع المخطط لها أو المنجزة تعبر عن ذلك، سواء الطريق الرابط بين الجزائر وموريتانيا، أو الأنبوب الغازي العابر للصحراء، أو ربط إفريقيا جنوب الصحراء بكوابل الإنترنت والألياف البصرية. كما عكس معرض التجارة البينية، لأول مرة، قدرات جزائرية وإفريقية في الربط والشحن البحري والجوي، لأجل دفع التجارة البينية للدول الإفريقية لمستويات جديدة، وتعزيز التبادل التجاري الذي من شأنه أن يدعم تطوير الصناعات المحلية في دول القارة، وتعزيز التبادل بالعملات المحلية كذلك، وفتح آفاق جديدة للتعاون، وكانت اتفاقيات كبرى قد عقدتها شركات جزائرية مع دول مثل نيجيريا وموزمبيق وعدة دول أخرى.
وتسعى الجزائر الى تحويل موقعها الجغرافي ومقدراتها الطبيعية والبشرية إلى أوراق ضغط رابحة، فارضة نفسها كقوة توازن إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي معادلة للتعاون بين الشمال والجنوب، فبينما تبحث أوروبا عن أمن طاقوي وتبحث إفريقيا عن منافذ للتنمية، تقف الجزائر في المنتصف كقلب نابض يضّخ الحياة في شرايين الاقتصاد الإقليمي، مؤكدة أن المستقبل يُصنع هنا، برؤية جزائرية خالصة.






