انتقدت جمعية «عدالة من أجل الحق في محاكمة عادلة» تنامي مؤشرات التضييق على المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والفاعلين الجمعويين بالمغرب على خلفية انخراطهم المشروع في التعبير عن الرأي، والتبليغ عن الفساد، وممارسة أدوارهم في الرقابة عن الشأن العام.
وتطرّقت الجمعية في بيان لها، لقضية متابعة محمد الغلوسي رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، معتبرة أنّ ما تشهده هذه القضية يطرح إشكالا سياسا وحقوقيا عميقا، يتمثل في الانتقال من واجب حماية المدافعين عن حقوق الإنسان إلى منطق استهدافهم، ومن تشجيع التبليغ عن الفساد إلى تجريم من يقومون به، وهو ما يشكّل تراجعا خطيرا عن الالتزامات الدستورية والدولية، وضربا لأسس الديمقراطية التشاركية.
وأكّدت أنّ ما شاب هذه المحاكمة من الاختلالات لا يمكن التعامل معه بمعزل عن سياقه العام، أو اعتباره وقائع منفصلة، بل يندرج ضمن توجه مقلق يجعل المتابعات والإدانات القضائية سدا منيعا في مواجهة الفاعلين المدنيين، بما قد يؤثّر على جوهر مبدأ العدالة ويفرغه من محتواه، ويثير تساؤلات مشروعة حول انسجام هذه المتابعات والإدانات مع الغاية الأصلية للقضاء ودوره في حماية الحقوق والحريات.
تجريم المبلّغين عن الفساد
وسجّلت الجمعية أنّ مجريات هذه القضية كما انتهت بالحكم الصادر وهو الإدانة بثلاثة أشهر موقوفة التنفيذ، تثير شكوكا جدية حول مدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، خاصة فيما يتعلق بمبدأ الإنصاف وحياد المحكمة، والتناسب بين أفعال المتابعة والعقوبات المحكوم بها.
وشدّدت على أنّ هذه المتابعة تشكّل مساسا مباشرا بالحقوق والحريات المكفولة بموجب المواد 19، 21 و22 من العهد الدولي ذاته، والتي تضمن حرية التعبير والتجمع السلمي، وحرية تكوين الجمعيات، فمعاقبة مدافع عن حقوق الإنسان بسبب أنشطته المرتبطة بالتبليغ عن الفساد لا يمكن تفسيرها إلا كرسالة تخويف موجهة إلى باقي الفاعلين المدنيين.
وأبرزت أنّ متابعة الغلوسي تتعارض مع إعلان الأمم المتحدة بشأن المدافعين عن حقوق الإنسان الصادر عام 1998، والذي يؤكد على أن الدولة ملزمة ليس فقط بالامتناع عن استهداف المدافعين، بل باتخاذ تدابير إيجابية من أجل حمايتهم، غير أنّ ما نعاينه اليوم هو عكس ذلك تماما، متابعة قضائية وتضييق ممنهج وتجاهل للمقتضيات الدولية.
واعتبرت جمعية «عدالة» أنّ استمرار هذا النهج من شأنه أن يكرس الإفلات من العقاب في قضايا الفساد، ويقوّض الثقة في العدالة، ويغلق ما تبقى من هوامش العمل المدني المستقل، ويبعث برسائل سلبية للرأي العام الوطني والدولي حول واقع الحقوق والحريات، مدينة بشدة استعمال الإجراءات القضائية لتجريم العمل الحقوقي ممّا يشكّل مساسا خطيرا بدولة الحق والقانون.
وحملت السلطات العمومية مسؤولية ضمان احترام استقلالية القضاء وعدم استعماله كأداة لتصفية الحساب مع الأصوات المنتقدة، مطالبة بالاحترام الصارم لضمانات المحاكمة العادلة كما هي منصوص عليها في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وحماية الحقوق المكفولة بموجب المواد 19و21و 22 من العهد ذاته، والتي تشكل التزاما سياسيا وقانونيا لا يقبل الانتقاص.

