تأسيس صناعة تحويلية متكاملة تضمـن القيمـة المضافــة
يشكّل مشروع الخط المنجمي الشرقي حجر الزاوية في الاستراتيجية الصناعية الوطنية الجديدة، إذ يتجاوز دوره الوظيفي التقليدي كمسار للنقل بالسّكك الحديدية ليتحول إلى رافعة اقتصادية محورية ضمن المخطّط الوطني لتثمين الثروات المنجمية.
يندرج المشروع الهيكلي ضمن رؤية شاملة تهدف إلى استغلال احتياطيات الفوسفات الضخمة في منطقة «بلاد الحدبة» بولاية تبسة، بغرض تأسيس صناعة تحويلية متكاملة تضمن القيمة المضافة، وهو ما يفرض وجود شبكة إمداد لوجستية عالية الكفاءة تربط بين المناجم ومراكز التحويل وصولاً إلى موانئ التصدير.
واستناداً إلى البيانات التقنية للمشروع، يمتد هذا الخط السّككي الاستراتيجي على مسافة إجمالية تبلغ 422 كيلومتراً، مصمّماً بمعايير هندسية حديثة تسمح بازدواجية الخط وتحديثه ليستوعب حمولات ثقيلة وكثافة مرورية عالية، حيث يربط المسار بين مناجم الفوسفات في أقصى الشرق وميناء عنابة، مروراً بمحطات محورية في ولايات سوق أهراس وقالمة، والهدف المتوقّع لهذا الخط هو الوصول إلى طاقة نقل سنوية تقدّر بـ23 مليون طنّ من الفوسفات ومشتقاته، وهو رقم يعكس حجم التدفّقات المادية المتوقّعة، التي ستغذّي مركّبات التحويل الصناعي، ممّا يضع الجزائر في موقع متقدّم ضمن قائمة الدول المنتجة للأسمدة والمواد الفوسفاتية عالمياً.
الجانب الأكثر أهمية وتعقيداً في هذا المشروع يتمثل في الشّق الهندسي، الذي فرضته الطبيعة الطبوغرافية الوعرة للمنطقة، فالمقطع الرابط بين منطقة «بوكابش» بولاية سوق أهراس وصولاً إلى «الذرعان» و»واد الكبريت»، يمتد على مسافة 121 كيلومتراً، ويُصنّف تقنياً على أنه «النقطة الأصعب» أو الحرجة في مسار الإنجاز، وللتغلّب على هذه التضاريس الصعبة استوجب المخطّط الهندسي تشييد منشآت فنية كبرى تتضمّن 46 جسراً و10 أنفاق تخترق السلاسل الجبلية، لضمان انسيابية حركة القطارات وتقليل تكاليف الصيانة المستقبلية وتقليص المدة الزمنية للنقل، وتعتبر هذه المنشآت حلول تقنية تضمن ديمومة تدفّق المادة الأولية نحو وحدات المعالجة والتكرير.
وفيما يتعلّق بتقدّم الأشغال والآجال الزمنية التي تكتسي طابعاً استعجالياً، تشير المعطيات الميدانية إلى وتيرة متسارعة تهدف إلى تسليم ما نسبته 70% من المقطع الأكثر تعقيداً (الرابط بين قالمة
وسوق أهراس) بحلول شهر مارس 2026، في حين تتركّز الجهود حالياً على استكمال 30% المتبقية بالتوازي، وهذا الجدول الزمني المضبوط يعكس التزاماً صارماً بدخول المشروع حيّز الخدمة الفعلي، ليتزامن مع بدء الإنتاج في مصانع التحويل، حيث يتم تنفيذ المشروع بشراكة بين مؤسّسات وطنية عمومية تمتلك الخبرة الميدانية وشركاء دوليّين لضمان نقل التكنولوجيا واحترام المعايير العالمية في إنجاز السّكك الحديدية المنجمية الثقيلة.كذلك، فإنّ الأهمية الاقتصادية لهذا الخط لا تتوقّف فقط من عوائد الفوسفات، بل من كونه يخلق «مسارا صناعياً» يمتد عبر أربع ولايات شرقية (تبسة، سوق أهراس، عنابة، سكيكدة)، حيث سيسمح بنقل الفوسفات الخام إلى منطقة «واد الكبريت» للمعالجة الأولية، ثم نقله إلى الوحدات الصناعية بعنابة وسكيكدة لإنتاج الأسمدة والأمونياك، وهذه السلسلة المترابطة تضمن توطين الصناعة وتوفير الآلاف من مناصب الشغل المباشرة في قطاعات النقل، اللوجستيك، والصيانة الصناعية، بالإضافة إلى المناصب غير المباشرة التي يخلقها النشاط الاقتصادي المصاحب لخط السّكة، ممّا يرفع من مؤشّرات التنمية البشرية والاقتصادية في الشرق الجزائري بشكل ملموس.إلى جانب البعد الصناعي البحت، يكتسي المشروع صبغة تنموية شاملة من خلال فكّ العزلة عن المناطق الداخلية وتنشيط الحركة التجارية، فالخط المزدوج والعصري سيوّفر خدمات نقل للأشخاص والبضائع خارج قطاع المحروقات والمناجم، ممّا يعزّز الشبكة الوطنية للنقل بالسّكك الحديدية ويربط الموانئ في شمال البلاد بالعمق الاستراتيجي، وهو ما يسهّل حركة السلع ويقلّل من تكلفة النقل البري الذي يستنزف الطرقات والوقود، وبالتالي يساهم المشروع في تحسين التنافسية الاقتصادية الكلية للمنتجات الجزائرية، عبر خفض الكلف اللوجستية التي تعد عاملاً حاسماً في معادلة الأسعار النهائية.بحسب العديد من الخبراء، فإنّ قراءة المؤشّرات الحالية تؤكّد أنّ الخط المنجمي الشرقي يعمل بالتكامل مع نظيره الغربي (مشروع غارا جبيلات)، ليشكّل دعامة حقيقية لسياسة التنويع الاقتصادي، فالانتقال من تصدير الثروات الخام إلى تصنيعها محلياً ونقلها عبر شبكة سكك حديدية متطورة يعكس توجّهاً نحو «اقتصاد الإنتاج»، حيث تصبح البنية التحتية وسيلة لخدمة الصناعة وليس غاية في حدّ ذاتها، ومع استكمال هذا المشروع ودخوله مرحلة الاستغلال الكامل، ستتمكّن الجزائر من تعزيز أمنها الغذائي عبر توفير الأسمدة محلياً، واقتحام الأسواق الدولية بمنتجات مصنّعة ذات عوائد عالية بالعملة الصعبة، ممّا يقلّص من تبعية الاقتصاد لعائدات النفط المتقلبة، ويؤسّس لنموذج اقتصادي أكثر استدامة وصلابة في مواجهة المتغيّرات الدولية



