تتكثّف في الآونة الأخيرة تحركات بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في محاولة جديدة لكسر حالة الجمود السياسي وإعادة إحياء المسار التفاوضي عبر الحوار المهيكل. وتسوق البعثة الأممية هذا الحوار كإطار أكثر شمولا وتنظيما لمعالجة الانقسام المؤسساتي في البلاد.
وتأتي هذه التحركات في ظل تعقيدات داخلية متراكمة، وتباينات حادة بين الأطراف الليبية، إلى جانب تداخلات خارجية تجعل من أي مسار سياسي عرضة للاختبار قبل الوصول إلى نتائج ملموسة.
في السياق، قال موسى ونتيتي، عضو لجنة الحوار المهيكل الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إنّ «الحوار المهيكل الذي تنفذه البعثة يُعد أحد العناصر الأساسية في خارطة الطريق السياسية التي أعلنت عنها الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة أمام مجلس الأمن في أوت 2025».
وأضاف في تصريح للصحافة، أنّ هذه الخارطة تقوم على إطلاق حوار وطني مهيكل، واعتماد إطار انتخابي فني قابل للتطبيق سياسيا لتأمين إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، إلى جانب توحيد المؤسسات.
وأشار ونتيتي إلى أنّ الهدف من هذا الحوار يتمثل في توسيع المشاركة الوطنية، ومعالجة الأسباب الجذرية للنزاع، وبناء رؤية وطنية مشتركة لمستقبل ليبيا، من خلال منصة تشاركية تضم مختلف مكونات المجتمع الليبي.
وبين أنّ الحوار المهيكل يوفّر مساحة واسعة لمشاركة مختلف شرائح المجتمع، بما يشمل البلديات، والأحزاب السياسية، والجامعات، والمؤسسات الفنية والأمنية، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني، وذلك لمناقشة القضايا الأساسية التي تمس استقرار البلاد، بما يعزز التمثيل الوطني ويكرّس مبدأ الشمولية في العملية السياسية.
تقليص الانقسامات وتعزيز التّوافق
وأوضح أنّ الحوار يركّز على محاور الحوكمة، والاقتصاد، والأمن، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، بهدف صياغة توصيات عملية تعالج العوامل الجوهرية التي أدت إلى النزاع، وتسهم في تقليص الانقسامات وتعزيز التوافق الوطني.
وأضاف أنّ الحوار المهيكل يُعد جزءا لا يتجزّأ من الجهود الرامية إلى تهيئة بيئة سياسية ومؤسساتية مناسبة لإجراء انتخابات وطنية نزيهة وذات مصداقية، لافتا إلى أنّ هذا ما يميّزه عن مبادرات سياسية سابقة اقتصرت في الغالب على نقاشات تقنية أو جزئية، دون ارتباط واضح بالمسار الانتخابي.
وأكّد أنّ اختيار المشاركين في الحوار يتم وفق معايير موضوعية تشمل الخبرة المهنية، والالتزام بالمصلحة الوطنية، والتمثيل المتوازن للمناطق والفئات الاجتماعية، بما في ذلك ضمان تمثيل نسائي بنسبة خمسة وثلاثين في المائة، الأمر الذي يعزّز شرعية التمثيل وتنوع الأصوات.
النّجاح مرهون بالإرادة السّياسية
وفيما يتعلق بتنفيذ المخرجات، شدّد ونتيتي على أنّ الحوار المهيكل ليس هيئة تشريعية أو تنفيذية، بل منتدى استشاريا يقدّم توصيات تُحال إلى المؤسسات الوطنية المختصة للنظر فيها واعتمادها، مع توفير آليات لدعم تنفيذ هذه التوصيات ضمن الأطر المتاحة. وأوضح أنّ هذه المخرجات لا تكون ملزمة قانونيًا إلا في حال تبنّيها من قبل السلطات الوطنية وتنفيذها ضمن الأطر القانونية والمؤسّساتية الليبية.
وأكّد أنّ نجاح تنفيذ مخرجات الحوار المهيكل يظل مرهونا بتوفر الإرادة السياسية لدى المؤسسات والجهات الليبية المعنية، وبمدى استعدادها لترجمة التوصيات إلى سياسات وتشريعات عملية على أرض الواقع، مؤكّدا أنّ النجاح الحقيقي لهذا المسار يعتمد على الحس الوطني، والإرادة الصادقة في إحداث تغيير فعلي نحو الأفضل.
حلّ وطني بملكية وقرار ليبيّين
من ناحية ثانية، جدّد رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي دعمه لأي مسار يقود إلى حلّ وطني بملكية وقرار ليبيين، عبر انتخابات عادلة، ومؤسّسات موحّدة، ودستور أو قاعدة دستورية تنهي المراحل المؤقتة.
وأعلن المنفي رفضه لما وصفها المصالحة الشكلية، مؤكّدًا أنّ ليبيا بحاجة إلى مصالحة وطنية حقيقية تقوم على العدالة لا النسيان، وعلى الإنصاف لا الانتقام، وعلى عدم إقصاء أي مكوّن، وفتح باب العودة والإصلاح أمام جميع الليبيين دون استثناء.

