ثمــرة رؤيــة وطنيــة متكاملــة حـرص رئيــس الجمهوريــة علـى تجسيـــدها
ضمان تخزين البيانات الحساسة والوطنية بما يعزّز الاستقــلال الرّقمـي
بنـاء قـــدرات وطنيـــة في إدارة البيانـــات الضّخمـــة والذكــاء الاصطناعـــي
في خطوة استراتيجية تعكس وعي الدولة بأهمية البيانات كرافعة أساسية لصنع القرار الرّشيد، دخلت المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات حيّز الخدمة فعليا، بعد أن تمّ نصها بالمرسوم الرئاسي الصادر في ديسمبر 2025، حيث جاءت من أجل تنظيم وجمع البيانات وتوجيه استغلالها وضمان استخدامها بشكل آمن وفعّال، مع تحقيق التوازن بين التطور الرّقمي وصون الخصوصية.
يعتبر الإنجاز ثمرة رؤية وطنية متكاملة حرص رئيس الجمهورية على تجسيدها في آجال قياسية، وتمّ الإعلان عنها أول أمس رسميا، بعد جهود مكثفة قادتها المحافظة السامية للرّقمنة، بالتنسيق والتعاون الوثيق مع كل الهيئات والقطاعات الوزارية وجميع الفاعلين في المجال الرّقمي.
وفي السّياق، ثمّن الخبير في التحوّل الرّقمي والتكنولوجيا الرّقمية، عبد الفاتح كزيم، تجسيد مشروع المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات، الذي يؤسّس، وفق ما أدلى به لـ»الشعب»، لمرحلة جديدة من التعامل الموثوق مع البيانات، معتبرا المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات في الجزائر حجر الزاوية للاستراتيجية الوطنية للتحوّل الرّقمي.
هذه الأخيرة، بحسب كزيم، تلعب دورا حاسما في تعزيز السّيادة الرّقمية للدولة من خلال عدة محاور استراتيجية وقانونية وتقنية أهمّها، توطين البيانات وتأمينها حيث تساهم الحوكمة في فرض سياسات تضمن تخزين البيانات الحساسة والوطنية، ممّا يعزّز الاستقلال الرّقمي.
كما أنّ وضع إطار قانوني وتنظيمي وطني من خلال قوانين مثل القانون رقم 18-07 المتعلّق بحماية الأشخاص الطبيعيّين في معالجة البيانات ذات الطابع الشخصي، سيمكّن الدولة من فرض سيادتها على كيفية جمع واستخدام البيانات، وهو ما يعتبر حماية للاقتصاد الوطني والخصوصية من الاستغلال الخارجي.
وأفاد المتحدث، أنّ تعزيز الاستقلالية التكنولوجية «لن تتحقّق إلا من خلال حوكمة للبيانات تدفع نحو تطوير حلول برمجية محلية، وبناء قدرات وطنية في إدارة البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي».
من جهة أخرى ستساهم المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات في دعم اتخاذ القرار السّيادي، من خلال توفير بيانات دقيقة وموحّدة لصنّاع القرار في الجزائر، ممّا يسمح برسم سياسات اقتصادية واجتماعية مبنية على أدلة وطنية، وهذا هو الاستقلال المعلوماتي الحقيقي -بحسب ذات المتحدث- الذي يعتبر جوهر السّيادة في العصر الرّقمي، للوصول في الأخير إلى بناء الثقة الرّقمية، لأنّ السّيادة لا تكتمل إلا بثقة المواطن والمؤسّسات في النظام الرّقمي الوطني.
جـدار قانونـي لحمايــة البيانـــات
من جهة أخرى، أضاف عبد الفاتح كزيم، أنّ المنظومة القانونية والتقنية الجديدة في الجزائر تلعب دورا محوريا في صياغة مفهوم السّيادة الرّقمية، وهي لا تقتصر فقط على الجانب التقني، بل تمتد لتشمل حماية القرار الوطني من التبعية التكنولوجية، موضّحا أنّ توطين البيانات يعتبر ركيزة للأمن القومي، ومسألة سيادة لا تقبل المساومة، من خلال تعزيز دور مركز البيانات الوطني، حيث تضمن الدولة أنّ المعطيات الاستراتيجية لا تخضع للقوانين العابرة للحدود، ممّا يحميها من التجسّس أو المصادرة الرّقمية.
بخصوص التصنيف الاستراتيجي للمعطيات، ومن وجهة نظر تقنية، أجاب كزيم، أنّ التعامل مع البيانات لا يتم ككتلة واحدة، بل تحدّد الصلاحيات من خلال تصنيف البيانات إلى سرية، حساسة، وعامة، بما يسمح للدولة بوضع جدار قانوني يمنع وصول الأطراف غير المصرّح لها، خاصة في القطاعات الحساسة.
وبالنسبة لدور المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات، أوضح كزيم، أنّ هذه الأخيرة تهدف إلى خلق وحدة قيادة رقمية بمعايير أمنية موحّدة، وفرض بروتوكولات أمنية صارمة على كل الإدارات العمومية، ممّا يسدّ الثغرات التي قد تستغلها الهجمات السيبرانية العابرة للحدود. بالمقابل توفّر هذه الحوكمة رؤية استباقية تمكّن من اكتشاف محاولات الاختراق قبل وصولها إلى قاعدة البيانات المركزية للدولة.
شدّد ذات المتحدث على أنّ تكريس السّيادة الرّقمية في الجزائر يعني الانتقال من وضعية المستهلك للتكنولوجيا إلى المتحكّم في الفضاء الرقمي، وهو يحمي المصالح العليا للدولة من خلال الحماية من الضغوط الخارجية، أي التحكّم في البيانات ومنه استقلالية القرار السّياسي، وبناء اقتصاد رقمي آمن يسمح بجذب استثمارات في الرّقمنة والتجارة الالكترونية.
بخصوص تأثير دخول هذه المنظومة حيّز الخدمة، على أداء الإدارة العمومية وعلى حياة المواطن اليومية، أجاب ذات المتحدث، أنّ ذلك يمثل تحوّلا جذريا ينعكس بشكل مباشر، حيث تسمح الحوكمة بتبادل البيانات بين مختلف المصالح الإدارية بسلاسة، ممّا يعني إنتهاء عصر البيروقراطية الورقية وتعدّد الملفات لنفس الغرض، وبهذا تصبح الإدارة أكثر ترابطا.
كما يتم توفير بيانات دقيقة ومحدّثة تتيح للمسؤولين اتخاذ قرارات مبنية على أرقام حقيقية وليست تقديرية، من جهة أخرى تجسيد الشفافية ومحاربة الفساد ورقمنة المسارات الإدارية وحوكمة البيانات تضمن الأثر الرّقمي لكل عملية، ممّا يقلّل من التدخّل البشري والوساطة، ويزيد من الرّقابة على المال العام.
في المقابل سيحصل المواطن على خدمات أسرع، دون الحاجة للتنقّل الفعلي، مماّ يوفّر له الوقت والجهد والمال، كما تسهّل المنظومة الرقمية وصول جميع فئات المجتمع للخدمات.
وتطرّق الخبير في التحول الرّقمي، إلى أهم أهداف المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات، المتمثلة في الشفافية والمساءلة، فعندما تدار البيانات وفق معايير واضحة، يصبح من السّهل تتبع مسار أي ملف إداري، ممّا يقلّل من فرص الفساد الإداري.
كما أشار إلى تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطن، أين ينعكس تنظيم البيانات مباشرة على تجربة المواطن مع المرفق العام، حيث أصبحت منصّات مثل الإدارة أو خدمات استخراج الوثائق البيومترية متاحة في كل وقت.
بالمقابل، تسمح المعاملات الرّقمية للإدارة بفهم احتياجات المواطن بشكل أفضل، حيث قدّم المتحدث مثالا مستمدا من واقع قطاع الصّحة، حيث يتيح الملف الطبي الرّقمي الموحّد للمواطن تلقي العلاج في أي مستشفى عبر التراب الوطني، دون الحاجة لنقل ملفه الورقي. كما أنّ فرض معايير زمنية لمعالجة البيانات، كتلك المتعلقة باستخراج جواز السفر أو بطاقة فلاح مرتبط بجدول زمني تقني لا يخضع للمزاجية البشرية، من خلال السّجل الوطني الموحّد. من جهة أخرى يمكن للدولة تحديد العائلات المستحقّة للدعم بدقة، ممّا يمنع هدر المال العام ويضمن وصول المساعدات لمن يستحقها، ويوفّر ميزانيات ضخمة للخزينة العمومية يتم رصدها سنويا في قانون المالية، في الشق المتعلق بالتحويلات الاجتماعية التي استحوذت هذه السنة على ثلث الميزانية في قانون المالية لسنة 2026 .






