إدراك عربي متزايد بمصداقية التحذيرات الجزائرية من الأدوار الوظيفية
لم تكن تصريحات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في حواره الدوري الأخير مع وسائل الإعلام الوطنية، مجرد توصيف عابر، بل جاءت أقرب إلى تشخيص دقيق لمسار تدخلي ممنهج تمارسه «دويلة» باتت معروفة لدى العام والخاص.
تدخل هذه «الدويلة»، التي باتت توصف من قبل بعض الإعلام العربي بـ «حصان طروادة الصهيوني»، وصل حسب ما كشفه الرئيس تبون، إلى محاولات التدخل في المسار الانتخابي الجزائري، وصولا إلى التهديد الصريح بإرهاق الجزائر ماليا عبر آليات التحكيم الدولي.
بهذا المعنى، فإن قول الرئيس: «نأمل أن لا نندم على اليوم الذي عرفناهم فيه» لا يمكن قراءته برأي مراقبين إلا بوصفه «تحذيرا أخيرا»، قبل المرور إلى خطوة عملية قوية نظرا لما تصدت له من ضرر بالغ نتيجة سلوكات لم تعد خافية ولا يمكن تبريرها تحت أي عنوان دبلوماسي أو اقتصادي.
هي إذا، رسالة واضحة بأن جزائر الأحرار، وإن كانت تفضل ضبط النفس، فإنها لا تقبل المساس بسيادتها أو العبث بمؤسساتها، ومصالحها، ولا ترضى برؤية الطعنات تغرز في ظهر دولة عربية تلو الأخرى، من قبل «دولة» يفترض أنها من الجسم العربي، وعضو في جامعة الدول العربية، ولها تاريخ وقواسم سياسية ودينية مشتركة مع كافة الأعضاء.
وما يجب التوقف عنده، هو أن أبعاد تصريحات رئيس الجمهورية، تتجاوز الحالة الجزائرية، فاستنادا إلى سجل طويل من السلوكات التخريبية في أكثر من منطقة، باتت هذه «الدويلة» مصدر قلق حقيقي لدى عدد متزايد من الدول العربية على وجه الخصوص.
قلق تغذيه سياسات قائمة على زعزعة الاستقرار في أقاليم جغرافية بعيدة، خدمة لأجندات تقسيمية، مع افتراض ثبت خطؤه بأن ارتدادات الفوضى لن تطال أمنها الداخلي بفعل عامل المسافة.
ومن هذه الزاوية، يؤكد متابعون أن الجزائر، مثلما كانت سباقة في تسعينيات القرن الماضي إلى التحذير من خطر الإرهاب العابر للحدود، تعود اليوم لتؤدي دورا مماثلا في التنبيه إلى خطر داهم آخر، يتمثل في «وظيفيون» يستخدمون المال والنفوذ والإعلام كأدوات لهدم الدول من الداخل. وما يمنح هذا التحذير الجزائري مصداقية متزايدة هو تراكم الأدلة وتنامي القناعة الدولية بواقعية ما تطرحه الجزائر من تنبيهات وتحليلات.
وقد بدأت وسائل الإعلام الدولية تتفاعل بوضوح مع المعطيات التي تدين الدور التخريبي لهذه «الدويلة»، لا سيما في السودان. فقد كشف تقرير حديث لوكالة رويترز، مدعما بصور جوية ومعلومات ميدانية، عن إنشاء قاعدة لتدريب المتمردين قرب الحدود الإثيوبية، في تأكيد عملي لما سبق وأن ورد في تقارير أممية تحدثت عن تورط مباشر أسفر عن مجازر قد ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية. هنا، لم يعد الأمر ادعاءات سياسية متبادلة، بل وقائع موثقة تتقاطع فيها الصحافة الدولية مع تقارير الأمم المتحدة.
وفي السياق ذاته، لقيت المواقف الجزائرية الأخيرة، وعلى رأسها الشروع في إلغاء اتفاقية الامتيازات الجوية مع أبو ظبي، تفاعلا عربيا واسعا، عكس إدراكا متناميا لطبيعة وحقيقة الأمر، فالجزائر دولة ذات سيادة كاملة، تملك قرارها الوطني وتتصدى لكل أشكال التدخل في شؤونها ومصالحها.
في المحصلة، تقف الجزائر اليوم في موقع التصدي الواعي والتحذير المسؤول. تصدي لكل محاولات العبث بسيادتها ووحدتها ومؤسساتها، وتحذير صريح لباقي الدول من الدور التخريبي الممارس عبر المال والأدوات غير المباشرة لفرض نفوذ لن يتحقق.



