قــرار آخـــر في اتجـــاه تذليـل الفوارق التنموية
تصحيـح “الاختلالات”..والدولــة الاجتماعيــة مبــدأ ثابـــت لم ولــــن يزول
في سياق الحرص الدائم على رسم الخريطة التنموية الوطنية وفق مقاربة عادلة، أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، خلال ترؤّسه آخر اجتماع لمجلس الوزراء، الحكومة بإعداد برامج تكميلية جديدة لفائدة الولايات الأقل تنمية، مع تركيز خاص على الولايات المستحدثة مؤخّرا، مثمّنا تجسيد كل البرامج التكميلية لولايات خنشلة تيسمسيلت، الجلفة وتندوف، وتنفيذ مشاريعها في آجالها المحدّدة.
حرص رئيس الجمهورية، على تصحيح “الاختلالات” التي ميّزت مسار التنمية منذ عقود، نابع من تمسّكه بمبدأ الدولة الاجتماعية الذي لم ولن يزول، بما يرسّخ العدالة التنموية بين مختلف ولايات الوطن، ومحاربة الفوارق الجهوية، وينعكس على الوضع الاقتصادي المحلي، من خلال إعداد برامج تكميلية للولايات الأقل تنمية خاصة المستحدثة مؤخّرا.
يأتي هذا التوجيه في إطار رؤية رئيس الجمهورية الشاملة، التي تسعى لتكريس مبدأ الدولة الاجتماعية التي لا تكتفي بتوزيع الموارد المالية، بل تعمل على إعادة توجيه الاستثمار العمومي نحو المناطق، التي عانت من ضعف البنى التحتية ونقص الخدمات.
وأول خطوة قام بها الرّئيس في هذا المجال، هي استحداث ولايات جديدة وذلك للأهمية الإدارية والتنموية التي ستعود فائدتها على هذه الولايات المستحدثة، ورغم أهميتها الاستراتيجية وموقعها الجغرافي، لا تزال بحاجة إلى دعم يمكّنها من الاندماج الفعلي في الديناميكية الاقتصادية، التي تعرفها البلاد منذ سنوات في إطار التوجّه نحو بناء اقتصاد دائم، “محمي” من الصدمات الاقتصادية الدولية.
وتلبية للتحديات الاقتصادية، التنظيمية والأمنية التي توجّهها الولايات الجنوبية، فقد تمّ إنشاء عشر ولايات جديدة والمتمثلة في تيميمون، برج باجي مختار، أولاد جلال، بني عباس، إن صلاح، إن قزام، توقرت، جانت، المغيّر والمنيعة، وهي الولايات المنتظر إعداد برامج تكميلية جديدة لفائدتها.
وبحسب المتتبّعين، فإنّ البرامج التكميلية التي هي في طور التجسيد أو المنتظرة، تعكس وجود إرادة واضحة في تحقيق العدالة الاجتماعية، وتقليص الفوارق التنموية بين الشمال والجنوب وبين المناطق الساحلية والداخلية، في إطار التوزيع العادل للثورة الوطنية.
ومن أجل تحقيق هذا التوازن التنموي الذي يدخل في إطار الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، فقد حرص الرّئيس تبون على محاربة هذه الفوارق والتفاوت التنموي بين الولايات، حيث أنّ أثره لا ينعكس فقط على المؤشّرات الاقتصادية، بل يمتد إلى الاستقرار الاجتماعي ومستوى الخدمات وفرص التشغيل.
ومن هذا المنطلق، فإنّ توجيه الحكومة لإعداد برامج تكميلية، يعني الانتقال من منطق التسيير المركزي الموحّد إلى منطق التسيير اللامركزي، الذي يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الجغرافية لكل ولاية وإمكاناتها الطبيعية والبشرية، من خلال تخصيص ميزانيات خاصة بكل ولاية تستهدفها البرامج والمخطّطات التكميلية.
في هذا السّياق، يشير الخبراء الضالعين في المجال، إلى أنّ الولايات الأقل تنمية غالبا ما تمتلك موارد غير مستغلة، سواء في المجال الفلاحي، الطاقوي، السّياحي أو المنجمي، غير أنّ غياب البنى التحتية والمشاريع الاستراتيجية الداعمة والاستثمار المهيكل، يمنع من تحويل هذه الإمكانات إلى قيمة مضافة فعلية، وبالتالي، فإنّ البرامج الجديدة ستحوّل هذه المناطق إلى مناطق إنتاج تُسهم في تنويع الاقتصاد الوطني.
استكمالٌ لمسار التقسيم الإداري الجديد
بما أنّ الولايات المستحدثة جاءت استجابة لمطلب تقريب الإدارة من المواطن وتحسين فعالية التسيير المحلي، فإنّ نجاح هذا الخيار يظل مرهونا بتوفير الموارد المالية والبشرية، وإنجاز المشاريع القاعدية الكبرى من طرقات، مستشفيات، جامعات، مناطق صناعية ومرافق وخدمات.
وفي هذا السّياق، فإنّ البرامج التكميلية تعتبر مسارا لإعادة التنظيم الإداري، حتى لا تبقى هذه الولايات في وضعية المستحدثة، التي تفتقر إلى كل البرامج التنموية أو مشاريع البنى التحتية، بل لابد من أن تتحول إلى ولايات تدير شؤونها الإدارية والاقتصادية، قادرة على استقطاب الاستثمار، وخلق ديناميكية محلية.
يراهن الرّئيس اليوم، من خلال البرامج التكميلية للولايات الأقل تنمية، خاصة المستحدثة مؤخّرا، على الانتقال إلى استراتيجية تنموية مستدامة، قائمة على خلق مناصب شغل محلية تحدّ من اكتظاظ المدن الكبرى، إلى جانب تطوير الاقتصاد المحلي حسب خصوصية كل ولاية، فضلا عن تعزيز الشبكات اللوجستية ، وتحسين مؤشّرات التنمية في قطاعات تمسّ مباشرة بمعيشة المواطنين على غرار الصحة، التعليم والسكن.
وتندرج هذه التوجيهات ضمن رؤية الرئيس الشاملة واستراتيجيته الهادفة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني، حيث لا تبقى التنمية محصورة في ولايات دون غيرها، بل تمتد لتشمل كامل التراب الوطني، لتحقيق النمو المستدام وتعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ العدالة الاجتماعية ومحاربة الفوارق التنموية في البلاد، خاصة وأنّ الرئيس حريص على صون كرامة المواطنين الجزائريّين أينما كانوا، عبر كل شبر من تراب الجمهورية.
لذلك فإنّ البرامج التكميلية المرتقبة عبر الولايات الأقل تنمية، تشكّل خطوة نحو طيّ صفحة الماضي وفتح مرحلة جديدة عنوانها: تنمية شاملة وعادلة بين جميع ولايات الوطن.


