في الوقت الذي تتركّز فيه مشاهد الحرب على القصف والدمار فوق الأرض، تجري حرب أخرى أقل ظهورا داخل مراكز الاحتجاز والسجون الصهيونية، حيث يتحوّل المدنيون الفلسطينيون إلى أرقام، وتُعلّق أجسادهم على أسئلة التحقيق، ويُعاد تعريف القانون بوصفه أداة قمع لا منظومة حماية.
موقع مؤسسة العهد الدولية
منذ بدء الحرب على قطاع غزة، وثّقت منظمات حقوقية محلية ودولية مئات حالات الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والحرمان المتعمّد من العلاج، بما في ذلك بحق مدنيين لا صلة لهم بالعمل العسكري، وبحق طواقم طبية يفترض أن تحظى بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني.
في هذا السياق، تبرز شهادتا إبراهيم فودة ومحمد أبو طويلة كنموذجين صارخين لما يتعرض له المعتقلون الفلسطينيون: مساران مختلفان في الحياة، يلتقيان داخل تجربة الاعتقال، ويخرجان منها بجسدٍ مكسور وذاكرة مثقلة.
عيـون أُحرقت وأجسـاد عُذّبـت
لم يكن محمد أبو طويلة (35 عاما)، الممرض التقني في غرفة العمليات بمستشفى العودة، يتوقع أن يتحوّل من معالجٍ للجراح إلى جسدٍ مثخنٍ بها. ولم يكن إبراهيم فودة (35 عاما)، الأب لطفلين من بيت لاهيا، يدرك أن رحلة نزوحه داخل غزة ستنتهي بفقدان بصره في إحدى عينيه داخل زنزانة تحقيق. كلاهما مدنيان، وكلاهما خرج من الاعتقال حاملا آثار تعذيب لا تمحى.
عاش إبراهيم فودة مع زوجته في حي الشجاعية شرق مدينة غزة. ومع اندلاع الحرب، قرّرا البقاء في منزلهما رغم القصف القريب، قبل أن يُجبرا على النزوح تحت وطأة الخطر. تنقّلا بين أحياء المدينة هربا من القذائف والرصاص، إلى أن استقرا في حي تل الهوى داخل مبنى يضم عشرات المهجّرين.
أما محمد أبو طويلة، فكان يقيم مع زوجته مها (31 عاما) وطفلهما في شمال القطاع، ويعمل ممرضا تقنيا في مستشفى العودة بجباليا. منذ اليوم الأول للحرب، واصل العمل وسط تدفق غير مسبوق للجرحى، بينما كانت عائلته تتنقّل بين المدارس والمنازل وصولا إلى مخيمات النزوح.
لحظــــة الاعتقــــال.. العــــري كأداة إذلال
في آذار/مارس 2024، وخلال اقتحام الجيش الصهيوني لمحيط مستشفى الشفاء، حاصرت الدبابات المبنى الذي كان يقيم فيه إبراهيم فودة. في مساء 18 آذار، اقتحم الجنود المبنى بعد تفجير بابه، وأمروا جميع الرجال فوق سن 16 عاما بالنزول، وخلع الملابس، وإبراز الهويات.
رغم وجود نساء وأطفال ومسنين، لم يتردد الجنود في ممارسة الإذلال العلني. أُخذ إبراهيم عاريا إلى مبنى مجاور حوّله الجيش إلى موقع عسكري، حيث قُيّدت يداه وعُصبت عيناه.
مشهد مشابه عاشه محمد أبو طويلة خلال اقتحام مستشفى العودة في كانون الأول/ديسمبر 2023. في ساحة المستشفى، وتحت تهديد القناصة والدبابات، أُجبر جميع الرجال، بمن فيهم الطواقم الطبية، على خلع ملابسهم، في رسالة واضحة مفادها أن لا حصانة لأحد، حتى من يحمل الضماد لا السلاح.
في موقع الاحتجاز، بدأ التحقيق مع إبراهيم فودة. سُئل عن قادة حماس والأنفاق والأسلحة، وعندما أنكر أي صلة، تحوّل التحقيق إلى تعذيب مباشر: أُطفئت السجائر على جسده، وسُكب عليه حمض الملح، وأُحرق ظهره بقدّاحة، ما أدى إلى فقدانه البصر في عينه اليسرى.
ما يصفه فودة وأبو طويلة لا يندرج ضمن تجاوزات فردية، بل يشكّل أفعال تعذيب محظورة بصورة مطلقة بموجب القانون الدولي، ولا يجوز تبريرها بأي ظرف أمني أو عسكري، بوصفها جريمة لا تسقط بالتقادم.
بعد ثلاثة أيام، نُقل فودة وهو مصاب ونازف إلى معسكر قرب معبر صوفا، حيث احتُجز ثلاثة أشهر مكبّل اليدين ومعصوب العينين، وأُجبر مع مئات المعتقلين على الركوع لساعات طويلة يوميا، وسط طعام شحيح وضرب يستهدف المصابين عمدا.
أما محمد أبو طويلة، فمرّ بسلسلة أطول من الإذلال، من التحقيق لساعات طويلة وهو واقف، إلى الضرب بالعصي، إلى إطلاق الكلاب على المعتقلين. في إحدى المرات، سكب الجنود سائلا شديد السخونة على ظهره، ما تسبب بحروق من الدرجتين الثانية والثالثة. فقد 25 كيلوغراما من وزنه، وبقي معصوب العينين 41 يوما متواصلة.
السجون.. المــرض بلا عــــلاج
نُقل إبراهيم فودة لاحقا إلى مستشفى ميداني، حيث خضع لعمليات زرع جلد، قبل أن يُعاد إلى سجن عوفر. هناك، تدهورت حالته مجددا، وكانت عينه تنزف باستمرار، فيما قوبلت طلباته المتكررة للعلاج بالتجاهل. لم يُنقل إلى مستشفى سجن الرملة إلا بعد تفاقم النزيف، واقتصر العلاج على قطرات للعين دون متابعة حقيقية.
في سجن النقب، عاش محمد أبو طويلة عاما كاملا في خيام مخصّصة للمرضى، تضم عشرات السجناء في ظروف صحية كارثية: قمل، جرب، مياه ملوثة، وطعام لا يكفي طفلا. شهد وفاة سجناء بسبب الإهمال الطبي، ورأى معتقلين تعرّضوا لاعتداءات جنسية، وآخرين حاولوا الانتحار من شدة التعذيب.
إن الحرمان المتعمّد من العلاج، واحتجاز الطواقم الطبية، وإخضاع المدنيين للإيذاء الجسدي والنفسي، يُعدّ انتهاكا جسيما لالتزامات القوة القائمة بالاحتلال، ويُصنّف قانونيا ضمن أنماط المعاملة اللاإنسانية التي تستوجب المساءلة الفردية والمؤسسية.
الإفراج.. والعــــودة إلى واقــــع أشدّ قســـوة
في شباط/فبراير 2025، أُفرج عن الرجلين ضمن صفقات تبادل. خرج إبراهيم فودة فاقدا البصر في إحدى عينيه، ليواجه واقعا قاسيا: لا منزل، ولا عمل، ولا قدرة على تحمّل تكاليف العلاج، بينما يعيل زوجته وطفليه.
أما محمد أبو طويلة، فخرج ليكتشف استشهاد والده وتدمير منزله. التقى ابنه للمرة الأولى، وهو طفل وُلد أثناء اعتقاله. ورغم الصدمة النفسية والخوف المستمر من إعادة الاعتقال، عاد إلى عمله مع استئناف العدوان، مدفوعا بما يصفه بواجب لا يمكن التخلي عنه.
اليوم، يعيش الرجلان بأجساد تحمل آثار التعذيب، ونفوس مثقلة بالقلق والأرق. قصتاهما ليستا استثناء، بل نموذجا لما واجهه آلاف الفلسطينيين في السجون الصهيونية خلال الحرب: اعتقال بلا تهمة، تعذيب منهجي، وحرمان متعمّد من العلاج.
إنها شهادتان تؤكدان أن الحرب على غزة لم تتوقف عند القصف، بل امتدت إلى الزنازين، حيث يُختبر الإنسان في أقصى حدود الألم، ويُترك ليواجه ما تبقى من حياته بجسدٍ مثقوب وذاكرة لا تنطفئ.







