كانت ميس تعيش في أحد أحياء رفح.. ورفح بالنسبة لها لم تكن مجرد مدينة، بل كانت وطنها، منزلها، وملجأها الآمن. هناك عاشت ميس حياتها بين أحيائها وأهلها، رغم أنها لم تكن تملك أحدا من عائلتها.
كانت تشعر أن جيرانها هم أهلها الحقيقيون؛ كانوا يحبونها ويخافون عليها كأنها ابنتهم من صلبهم. لم يبخلوا عليها يوما بالمساعدة، في أي شيء احتاجته. خلال فترة دراستها، كانوا يرسلون لها الطعام، وأحيانا يأتون لمساعدتها في تنظيف منزلها الصغير.
ورغم قسوة أخيها، كانت تجد في أهل الحي أضعاف ذلك الحنان.
رفح مدينة صغيرة تقع جنوب غزة، لا تتجاوز مساحتها أربعة عشر كيلومترا مربعا. تتكوّن من عدة أحياء سكنية مكتظّة بالسكان، منازلها بسيطة، مبنية من الإسبست وألواح الزينكو، لكنها كانت مليئة بالدفء والإنسانية.
أما أهلها، فكانوا كأبناء أي مدينة فلسطينية؛ في الفرح يجتمعون، وفي الحزن لا يفترقون. قلوبهم على بعضهم، لا يقبلون الذل لإخوتهم، ولا يتمنّون الأذى لأيٍّ منهم.
كانت ميس تشعر أن رفح وطنها الحقيقي، لا مجرد مدينة تعيش فيها، بل المكان الذي تنتمي إليه.
درست ميس الإعلام في إحدى جامعات غزة، وكانت تعمل ليل نهار لتحقيق حلمها. حلمها أن توصل صوت الحق إلى كل أنحاء العالم، وأن تصبح إعلامية تنقل صوت المظلومين حيثما كانوا.
سئمت ميس الظلم الذي عايشته طوال حياتها، والقهر المتراكم، والحقائق المدفونة تحت أغلفة ناعمة من الأكاذيب.
إلى جانب دراستها في الصحافة، كانت تأخذ دورات في الإسعافات الأولية. كانت تعلم أنها ستحتاج هذه الخبرة يوما ما؛ فالصحفيون، أثناء تغطيتهم للأحداث تحت القصف أو وسط الاشتباكات، كثيرا ما يشهدون إصابة الأبرياء، وأحيانا يكون الوقت الفاصل بين الحياة والموت دقائق لا تنتظر وصول الإسعاف.
لم يكن هدف ميس الشهرة، ولا مجرد تغطية حدث.
كان هدفها أن تساهم بالمساعدة، وأن تقدم كل ما تستطيع للحفاظ على أرواح الأبرياء. لم يهمها لون من تطلب مساعدته، ولا دينه أو عرقه؛ كل ما كانت تراه أنهم بشر، مثلها، لهم أحلام وحكايات لم تكتمل بعد.
عرفت ميس معنى الفقدان، وعاشت ألمه، ذلك الألم الذي لا يمكن وصفه بالكلمات. فقدت والديها في إحدى الغارات على غزة في الماضي، ولهذا لم تكن تريد لأي إنسان أن يعيش الوجع ذاته.






