نظّم المجلس الأعلى للغة العربية، أول أمس الأحد، ملتقى وطنيا بمناسبة اليوم العالمي للغة الأم، بعنوان “الترجمة والتعليمية بين الوسيلة والغاية”، يهدف إلى مناقشة الإشكالات المرتبطة بعلاقة الترجمة بالمجال التربوي والتعليمي، والبحث في سبل تطويرها بما يتماشى مع التحولات الرقمية المتسارعة.
عرف الملتقى مشاركة واسعة لأساتذة وباحثين من مختلف الجامعات الجزائرية، إلى جانب طرح توصيات عملية تمسّ الواقع اللغوي والتربوي في الجزائر.
في كلمته الافتتاحية، أكد الدكتور نوار عبيدي، رئيس لجنة الترجمة بالمجلس، أن موضوع الملتقى يسعى إلى مقاربة تعليمية الترجمة في ضوء التطورات الحديثة في المناهج النظرية والتطبيقية، سواء في الترجمة التحريرية أو الفورية، مع التركيز على أثر الرقمنة والذكاء الاصطناعي في تطوير أساليب التعليم. كما أشار إلى أهمية ربط الترجمة باللسانيات التطبيقية وتعليمية اللغات باعتبارها مجالا بينيا يفتح آفاقا جديدة لتحسين جودة التكوين الجامعي وإعداد مترجمين أكفاء.
ومن جهته، شدّد الدكتور محمد حراث، رئيس اللجنة العلمية، في كلمة قرأتها نيابة عنه، الأستاذة مهدية بن عيسى، على الطابع النوعي للملتقى من حيث الأفكار المطروحة والتوصيات المرتبطة بالواقع، موضحا أن اللجنة العلمية انتقت اثنتين وعشرين مداخلة علمية من بين عدد كبير من المقترحات، قصد معالجة الإشكالات التي تعترض تعليمية الترجمة في البيئة التعليمية الجزائرية.
أما رئيس المجلس الأعلى للغة العربية، الأستاذ الدكتور صالح بلعيد، فقد ركز في مداخلته على البعد الديداكتيكي للترجمة، مبرزا دورها كأداة تعليمية تُسهم في اكتساب المعارف وتوسيع الثقافة اللغوية. وأوضح أن الترجمة ليست مجرد نقل لغوي، بل هي تفاعل ثقافي ومعرفي يساهم في حفظ التراث الإنساني وتعزيز التواصل بين الشعوب، مع التأكيد على أهميتها في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، بما يعزز بيئة تعليمية أكثر شمولا.
وقد أجمع المتدخلون على أن التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي أصبحت تفرض إعادة النظر في أساليب تعليم الترجمة، سواء من خلال توظيف التطبيقات الذكية أو تطوير مناهج تدمج بين الجانب النظري والتطبيقي. كما تم التأكيد على ضرورة الاستفادة من هذه التقنيات دون إغفال البعد الإنساني والثقافي للعملية الترجمية، بما يضمن توازنا بين التطور التكنولوجي والكفاءة اللغوية.
ويذكر أن أشغال الملتقى عرفت تنظيم جلستين علميتين، شارك فيهما نحو اثني عشر أستاذا. في الجلسة الأولى، التي ترأستها الأستاذة مهدية بن عيسى، قدم الدكتور عبدالناصر بوعلي من جامعة تلمسان مداخلة حول “آفاق الترجمة في النهضة المعاصرة”، فيما عرض الدكتور نوار عبيدي لمحة عن “واقع الترجمة في الجزائر ودور المجلس في دعمها”، كما تناولت الدكتورة عائشة عبيزة من جامعة الأغواط موضوع “الترجمة الآلية في تعليم العربية لغير الناطقين بها”، وقدّم الدكتور محمد مراد عروسي من جامعة الجزائر 2 مداخلة باللغة الإنجليزية حول “مناهج إعداد المترجمين”.
أما الجلسة الثانية، التي ترأسها الدكتور نوار عبيدي، فتناولت العلاقة بين الترجمة والرقمنة، من خلال مداخلات علمية متعددة، ناقشت قضايا الأمانة المعرفية، ومتطلبات سوق العمل، والمقاربات البيداغوجية الحديثة، إضافة إلى نماذج توظيف الذكاء الاصطناعي في تعليمية الترجمة.
وبالموازاة مع الجلسات العلمية، نُظّمت ورشة علمية ترأسها الدكتور كبير بن عيسى، شارك فيها 10أساتذة وباحثين، حيث تناولت المداخلات موضوعات مرتبطة بالتكوين على التقنيات الذكية، وبناء الكفاءة التكنولوجية للمترجم، إضافة إلى أخلاقيات القرار الترجمي في ظل انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
واختُتم الملتقى بجملة من التوصيات التي شدّدت على ضرورة تعزيز حضور الترجمة التعليمية في المناهج الجامعية، وتشجيع البحث العلمي في المجالات البينية التي تجمع بين اللسانيات والتقنيات الحديثة، بما يضمن تكوين مترجم قادر على مواكبة التحولات العالمية، والمساهمة في نقل المعرفة عبر اللغات والثقافات.





