توفــير بيئـة ملائمـة للتركيــز علـى إتمـام البرامـج الكـــبرى
تعرف الأجندة الحكومية خلال الفترة الحالية وتيرة عمل مكثفة، فرضتها طبيعة الملفات المطروحة، ويبدو التوجه منصبا نحو إيجاد نقطة توازن عملية بين الاستجابة للمتطلبات المعيشية اليومية للمواطنين، والمضي قدما في استكمال المشاريع الاقتصادية الهيكلية التي تعول عليها الجزائر لتغيير وجه الاقتصاد الوطني. ويتطلب هذا المسار المزدوج إدارة دقيقة للموارد والجهود، حيث تدرك السلطات العمومية جيدا أنه لا يمكن فصل الملفات الاجتماعية اليومية عن الأهداف التنموية الكبرى.
عقد الوزير الأول، سيفي غريب، عدة اجتماعية حكومية وأخرى وزارية مشتركة، إلى جانب قيامه بزيارات ميدانية مكثفة، تركزت على متابعة ملفات ذات أولوية آنية وأخرى ذات أولوية إستراتيجية، وكلها على درجة عالية من الأهمية، كونها ترتبط بالقدرة الشرائية للمواطن ومتطلباته الاجتماعية، من جهة، والمؤشرات الاقتصادية الكبرى للبلاد، من جهة أخرى.
ويبرز ملف توفير السلع وضبط الأسواق كأولوية تأخذ حيزا مهما من العمل الحكومي، خاصة مع حلول شهر رمضان والذي يشهد عادة تغيرا في النمط الاستهلاكي وارتفاعا ملحوظا في حجم الطلب.
وتعمل الدوائر الوزارية المعنية، وفي مقدمتها وزارة التجارة الداخلية والفلاحة، على تفعيل آليات الرقابة والمتابعة وفق مقاربة استباقية، وتهدف هذه الخطوات بالأساس إلى إحداث توازن فعلي بين مستويات العرض وحجم الطلب، من خلال ضمان وفرة المنتجات الغذائية الأساسية وضخ الكميات اللازمة التي تغطي احتياجات السوق.
وتكتسي هذه الجهود أهمية بالغة لحماية القدرة الشرائية للجزائريين، وتوفير بيئة اجتماعية مستقرة تمثل الأرضية المناسبة التي تسمح للدولة بتوجيه تركيزها نحو إتمام مشاريعها الكبرى.
الفوسفات والزنك والخط المنجمي
وبالتوازي مع تسيير هذا الشأن اليومي ومراقبة السوق، تبرز على الجبهة الاقتصادية حركية نشطة لاستكمال شبكة من المشاريع التعدينية الاستراتيجية التي دخلت مراحلها الحاسمة والأخيرة، ويأتي في صدارة هذه الأولويات مشروع استغلال الفوسفات المدمج بمنطقة بلاد الحدبة في ولاية تبسة، ولكون نجاح أي مشروع استخراجي بهذا الحجم يرتبط أساسا بكفاءة البنية التحتية المرافقة له، فقد تم ربط هذا المنجم بمشروع آخر ضخم يتمثل في عصرنة وازدواجية الخط المنجمي الشرقي للسكة الحديدية وهذا المسار الاستراتيجي، الذي يمتد ليربط تبسة بسوق أهراس وقالمة وصولا إلى عنابة، يجري العمل على تسريع أشغاله ليواكب جاهزية مشروع توسعة ميناء عنابة، حيث يتم تحضير الأرصفة المتخصصة وتجهيزها لاستيعاب حركة النقل الواسعة التي سترافق بدء عمليات التصدير لاسيما وأن الجزائر تستهدف إنتاج 10 مليون طن من الفوسفات سنويا، مع إطلاق صناعات تحويلية ضخمة في كل من واد الكبريت في سوق أهراس وكذلك مصانع التحويل في سكيكدة.
كذلك، لا تقتصر هذه الحركية التنموية على هذا الجزء من البلاد فقط، بل تمتد لتشمل مشروعا مهما آخر يتمثل في منجم واد أميزور وتالة حمزة للزنك والرصاص بولاية بجاية. هذا المشروع الذي تجاوز العديد من المراحل الإدارية والتقنية والتنفيذية، يقترب بخطوات ثابتة من دخول مرحلة الإنتاج الفعلي.
وتكتسي هذه الخطوة بعدا اقتصاديا مهما، حيث ستوفر المواد الأولية الضرورية للعديد من فروع الصناعة الوطنية للحد من فاتورة الاستيراد المتعلقة بمواد الزنك والرصاص، وفتح الباب في الوقت نفسه أمام تصدير الفائض لدعم المداخيل بالعملة الصعبة.
وعلى الصعيد الاقتصادي الأوسع، تنطلق هذه المشاريع من رؤية وطنية تسعى للمساهمة في إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني بعيداً عن الاعتماد الكبير على قطاع المحروقات. حيث تُشير التقديرات إلى أن قطاع التعدين، الذي ساهم بأقل من 1% في الناتج المحلي الإجمالي لفترة طويلة، يمكن أن يرفع مساهمته إلى نحو 4-5% في مرحلة أولى، بما يعادل نحو 15 مليار دولار، مع آفاق للوصول إلى 10% (أكثر من 40 مليار دولار) في السنوات القادمة مع توسيع نطاق الإنتاج والتصدير.
ويعكس هذا التوجه رغبة واضحة في إدماج موارد البلاد الطبيعية في محاور التنمية الاقتصادية، تماشياً مع أهداف بلوغ ناتج محلي إجمالي يناهز 400 مليار دولار بحلول 2027، وهي مرحلة تُعرَّف لدى بعض الخبراء بـ»اقتصاد ما بعد النفط» ولا يعني هذا التخلي عن قطاع الطاقة الاستراتيجي بل تحوله إلى أحد القطاعات المهمة إلى جانب قطاعات أخرى مثل التعدين، الصناعة، الفلاحة وقطاع الخدمات وحتى القطاع السياحي.
ولضمان تحويل هذه الأهداف إلى واقع ملموس، يبقى من الضروري أن تواصل الحكومة الحالية التركيز على مستوى التنفيذ الميداني وتسريع وتيرة الإنجاز، لاسيما وأن المؤشرات الحالية إيجابية، حيث من المرتقب أن يشهد شهر مارس القادم دخول منجم واد أميزور للزنك والرصاص مرحلة الاستغلال، في حين ينتظر استلام أجزاء واسعة من الخط المنجمي الشرقي، خلال الشهرين المقبلين.
هذه التطورات الميدانية ستمهد الطريق مباشرة لبداية الإنتاج الفعلي في منجم الفوسفات العام القادم، تزامنا مع مطلع سنة 2027. والاستمرار في هذه المنهجية العملية هو الضمان الأمثل لتحقيق انتقال اقتصادي متين يلبي تطلعات المرحلة المقبلة.




