بلادنا قدّمـت صـورة ناصعة للحضارة العالمية.. وأوغسطـين مـيراث جزائـري متوسطـي وعالمي
رسائـل قويـة للعالم مفادهـا نشر قيـم السلام والخـير والعدالـة
أفاد الأستاذ الجامعي والأمين العام السابق للمجلس الإسلامي الأعلى، بومدين بوزيد، في حوار مع «الشعب» أمس، بأنّ الزيارة المرتقبة بين 13 و15 أفريل المقبل لقداسة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر للجزائر، كأول وجهة له للدول العربية والإفريقية، زيارة تعكس إسهامات الجزائر في الحضارة العالمية، والتي قدّمت أحد أعمدة الفكر المسيحي، وهو القديس أوغسطين.اعتبر المتحدث، أنّ الزيارة هي استراتيجية ودبلوماسية ناعمة تظهر أنّ بلد الجزائر له تاريخ حضاري، وأنه قوة حيوية في إفريقيا وشمال إفريقيا، كما أنّ إحياء التراث الأوغسطيني، من خلال هذه الزيارة، هو دليل على أنه ليس للجزائر مشكل مع الديانات الأخرى، عكس ما تروّج له بعض التقارير.ولفت في المقابل، إلى أنّ القديس أوغسطينوس، الذي يرتبط به البابا ليون الرابع عشر روحيا، ميراث جزائري متوسطي عالمي، والعودة إليه لا تعني بالنسبة لنا تبني «مسيحيته» ولكن الدعوة إلى «السلام» سلام مع الذات، مع الآخرين ومع الطبيعة والبيئة.
«الشعب»: يزور بابا الفاتيكان، ليون 14 الجزائر، منتصف أفريل المقبل، ما هي طبيعة العلاقة التي تربطه بالقديس أوغسطين، وما قيمة هذا الأخير في التراث الديني الحضاري للجزائر؟
الدكتور بومدين بوزيد: حين تم تنصيبه كبابا للفاتيكان قال جملة تفاعل معها المتابعون والداعين إلى اعتبار التراث الجزائري متنوعاً ويجب الاهتمام به، وهذا لا يعني الانخراط فيه وفي صراعاته القديمة، ولكن قد يكون قوة دبلوماسية ناعمة وصورة ناصعة عن الذي قدّمته الجزائر للحضارة العالمية مثل سانت أوغسطين، ابن «طاغسيت» و»مداورش». العبارة التي نطق بها البابا: «أنا ابن القدّيس أوغسطين» وكأنه قال أنّه «روحيّاً ابن هذه الأرض»، وهذه رسالة واضحة نحو بلد تلاعبت فيه بعض الصّحافة، في التسعينات وما بعدها، بقضية «ضحايا تبحرين» وما كانت تكتبه بعض التقارير التي تشير إلى غياب حرية المعتقد في الجزائر، ويمكن أن تحدث بعض الأخطاء في الإجراءات، لكن هناك قساوسة ورجال دين مسيحيين اختاروا الوقوف مع الثورة الجزائرية والبقاء في هذا البلد.
وقد تم تطويب «قديسي تبحرين» في وهران، ودشّنت رسمياً كنيسة عنابة، وهناك اهتمام ببعض الآثار الأوغسطينية في عنابة وسوق أهراس وقالمة وطبنة وقسنطينة، لها علاقة بمسارات حياة أوغسطين، وأشير هنا إلى أنّ تدريس فكره وكتبه عرّفته أقسام الفلسفة ومنها وهران، التي نبغ فيها مجموعة من الباحثين في «فلسفة أوغسطين» بالخصوص، وقد أقام المجلس الإسلامي الأعلى مؤتمراً دولياً حضره كبار المتخصّصين في فلسفته وتفسيره للكتاب المقدس بداية الألفية، والأعمال مطبوعة بالفرنسية والعربية، وتم إعادة طبعه من طرف المجلس الإسلامي الأعلى، وأقيم في السنوات الأخيرة ملتقى عنه.
أوغسطينوس ميراث جزائري متوسطي عالمي، والعودة إليه لا تعني بالنسبة لنا تبني «مسيحيته» ولكن الدعوة إلى «السلام» سلام مع الذات، مع الآخرين، مع الطبيعة والبيئة، سلام عام تكون نتيجته ما أسماه: «طمأنينية النّظام» كما دعا إلى «مدينة الله» القائمة على نكران الذات، بدل «مدينة الأرض» التي أساسها حبّ الذات، لقد كان هذا الإفريقي البونيقي يعتز بانتمائه لأمازيغيته، وربته أمه الأمازيغية على ذلك، على حب الوطن، وظل يحن إلى بلده وهو بروما، وكما أسماه فيلم عنه «ابن دموعها»، لقد كانت علاقته بأمه نموذج الطاعة والإخلاص والمحبة، وما يعجبني من أقواله: «إذا لم تُؤمِنوا، لن تفهَمُوا، وإذا لم تعتقدوا لن تعْقلوا».
اليوم هناك تيار قوي يسمّى: «الرهبنة الأوغسطينية» التي ينتمي إليها البابا وقديسي تبحرين وبيار كلافري الذي اغتاله الإرهاب في وهران، وبعض الأخوات في العاصمة الجزائر. أكرّر أنّ الاهتمام بالتراث الجزائري يحتاج إلى رؤية جديدة ومنهجيات معرفية والخروج عن السرديات التقليدية والتصنيفات النمطية لتاريخنا، فحين نعود إلى أوغسطين نحن نعود إلى حركات دينية عرفها الشمال الإفريقي.
أوغسطين كان مانويا ثم تم تعميده، وكان هناك وثنيون حينها في مراكز هامة، ودخل في صراع مع الدوناتيين الذين خرجوا عن الكنيسة، وهم أشبه ببعض الطوائف في التاريخ الإسلامي، الذين خرجوا عن «السنية الرسمية» في العهد الأموي والعباسي، واعتبروا الرومان محتلين ويجب محاربتهم، ولقيت أفكارهم قبولاً عند الفلاحين وقدّسوا الشّهداء وقبورهم، أي أننا نهتم بكل هذا التراث بتنوعه وتناقضاته، وإن كان فيها المستخلص المفيد للوطن ولمجتمعاتنا، فلنأخذ بما يصلح «والحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحقّ بها».
الزيارة ستكون الأولى للبابا ليون الرابع عشر لبلد عربي، وإفريقي، والأولى من نوعها للجزائر منذ الاستقلال، ماهي الحمولة الدينية والحضارية لها، إذا ما علمنا أنّ مليار ونصف مليار مسيحي سيتابعون الزيارة عن كثب؟
هذه الزيارة ترسل للعالم رسائل منها: أنّ المسيحية وأوغسطين للإنسانية، ليس بمعنى تمسيح العالم كما كان يحلم الكاردينال لا فيجيري وبعض الكنائس، ولكن بمعنى نشر قيم السلام والخير والعدالة، ونحن نعلم مواقف البابا الحالي تجاه قضايا المناخ والحروب، والدعوة إلى تعويض الأفارقة والضعفاء ممّا لحقهم من حيف ونهب، وموقفه من مآسي الهجرة، فقد قال «المتوسط مقبرة الضمير الإنساني» ومواقفه تجاه غزة وفلسطين.
هذا التوجه داخل الفاتيكان يحاول أن يحيي تياراً يغيب ويعود وهو تيار تجديدي، واستسمحك ببعض التفصيل؛ يستمد البابا في رؤيته ومنهجه التجديدي من روحانية المجمّع الفاتيكاني الثاني (1962-1965)، الرؤية التي دعت لانفتاح الكنيسة على العالم، والحوار مع الأديان الأخرى، والتركيز على «شعب الله» بدلاً من السّلطة الهرمية الجامدة، ومن النسخة الأرجنتينية «لاهوت التحرير» فالله عند هذه المدرسة حاضر في ثقافة الفقراء وبساطتهم، وأنّ الكنيسة يجب أن تكون «مستشفى ميدانياً» يداوي الجراح قبل أن يسأل عن القوانين. ويهدف البابا الحالي إلى تحويل الكنيسة من سلطة مركزية في روما إلى كنيسة «تسمع للجميع» (العلمانيين، النساء، والشباب) وتشاركهم في صنع القرار، وليس الأساقفة فقط، وأنّ الحقيقة تُرى بوضوح من «الأطراف» وليس من «المركز».
رئيس الجمهورية أشرف على اجتماع تحضيري، تحسّبا للزيارة، ماذا يمثل ذلك على صعيد أهمية وقيمة الزيارة؟
أولاً، أريد أن أنبّه القارئ بأنّ هذه زيارة دولة الفاتيكان، نحن تربطنا بها علاقات سياسية ودبلوماسية، وزيارة رئيس الجزائر للفاتيكان تكتمل بتبادل هذه الزيارة، والعلاقات مع الدول لا تعني المس بالعقائد، فهم يدركون أنّ الشعب الجزائري متمسّك بدينه ويموت دونه شهيداً، وعانى من محاولات مسخه ونزع عقيدته، وحوّل الاستعمار مساجد الله إلى كنائس وثكنات، هذه مسألة مفصول فيها، إنّ زيارة البابا هي استراتيجية ودبلوماسية ناعمة تظهر أنّ هذا البلد له تاريخ حضاري، وأنّ الجزائر قوة حيوية في إفريقيا وشمال إفريقيا..بالـتأكيد المسار الأوغسطيني يعطي صورة إعلامية مبهرة عن عنابة وسوق أهراس وغيرها ممّا ذكرت، وأتمنى ترميم بعض الآثار وإعادة طبع أعمال المجلس الإسلامي عن أوغطسين وطبع أعمال جامعة سوق أهراس عنه.
بيان الترحيب بالزيارة، قال إنها «ستفتح بلا شكّ آفاق جديدة للتعاون تعكس إيمانهما المتبادل بضرورة بناء عالم يسوده السلم وقيم الحوار والعدالة، في مجابهة مختلف التحديات الراهنة».. كيف يمكن ترجمة ذلك بين الجزائر والفاتيكان؟
كان لدينا في السبعينيات ملتقى الحوار والحضارات، وكانت ملتقيات الفكر الإسلامي من أفضل الملتقيات العالمية، وقدمنا نصوصاً أدبية راقية فيها الضمير الإنساني والدفاع عن قيم الكرامة والمحبة والتضامن، وهناك ميزانية خاصة «لشعائر غير المسلمين» في وزارة الشؤون الدينية والأوقاف.
حين نتحدث عن السلام والحوار ليس بالمعنى الذي يريد له البعض، ولكن نعطيه روح قيمنا وخصوصيتنا التي تأبى الهيمنة والظلم واستعمار الشعوب، من هنا يمكن للجزائر أن تلعب هذه الأدوار.
أضيف هنا، أنّ ما ذا سيكون بعد الزيارة؟.. مازلنا إلى اليوم نعاني من التقارير السلبية عن الحريات الدينية في الجزائر، وزيارة البابا وإحياء التراث الأوغسطيني دليل على أنه ليس لنا مشكل مع الديانات، ولكن المسّ بالوحدة الوطنية أو الانسجام الديني والاجتماعي قد يكون ضارّا وخطيراً، وهناك قوانين لتسيير الشأن الديني وكيفيات الحصول على رخص بناء المساجد ودور العبادة، ولذلك نحن نفصل بين من وقف معنا من القساوسة والمسيحيين، ويدافعون عن هذا البلد كوطن لهم، ويعتبرون خدمته هو «طاعة لله»، وبين الذين يستغلون الدين من أجل مآرب دنيوية أو أغراض الهيمنة، ولذلك بقيت صورة لافيجري سودواية في ذاكرتنا رغم أهميته في التاريخ الكنسي بالنسبة للمسيحيين.






