بخطوات عملية ومشاريع ميدانية تنموية، تدخل العلاقات الجزائرية النيجرية مرحلة متقدمة من الاندماج الاقتصادي، فالزيارة الرّسمية التي قام بها رئيس النيجر إلى الجزائر، خلال فيفري المنصرم، أعادت ترتيب أوراق التعاون الثنائي، دافعة بالعلاقات التاريخية بين البلدين الجارين إلى مجاريها الطبيعية.
أسّست الحركية الدبلوماسية الأخيرة لمسار جاد وعميق من التعاون الاستراتيجي، المرتكز على المصلحة المتبادلة وتفعيل المشاريع الحيوية التي تعود بالنفع المباشر على شعوب المنطقة.
ووفق رؤية “جنوب-جنوب” واضحة المعالم، تمضي الجزائر قدما نحو تعزيز امتدادها الإفريقي في خطوة عملية نحو تحقيق التكامل الاقتصادي القاري بعيدا عن التبعية. وفي هذا الإطار الحيوي، يواصل مجمّع سونلغاز في العاصمة النيجرية نيامي، أشغال إنجاز مشروع محطة إنتاج الكهرباء، بالتوازي مع مرافقة شركة الكهرباء النيجرية “نيجلاك” في مختلف الجوانب التقنية واللوجستية.
وتأتي هذه التحرّكات لتعكس تحوّلا ملموسا في نمط التعاون البيني، حيث أصبحت الدبلوماسية الاقتصادية هي المحرّك الأساسي للمبادرات، مستهدفة تحسين مستوى المعيشة وتوفير الطاقة التي تعد عصب التنمية.
وفي سياق متصل، قام الفريق التقني الجزائري بمعاينة دقيقة للبنية التحتية وشروط الربط الكهربائي، الخاصة بتوربينتين غازيتين تبلغ قدرة كل واحدة منهما 20 ميغاواط، كما عقد الفريق عدة لقاءات عمل مكثفة مع الجانب النيجري لتقييم ومتابعة تقدّم الأشغال، في انتظار وصول التوربينات الغازية إلى الموقع. وعبر خطة عمل مشتركة ومدروسة بعناية، تعمل الفرق التقنية الجزائرية على دراسة التحضيرات الميدانية الخاصة بتركيب المعدات المعقّدة، ثم التنقل إلى المواقع المقترحة لإنجاز وتوسيع مخازن العتاد الكهربائي ذو التوتر العالي والمتوسّط والمنخفض.
وفي هذا الصدد، تسود حالة من التفاؤل والالتزام بين فرق العمل المشتركة لتجاوز أي عقبات، حيث تتردّد أصداء العزيمة في كواليس المشروع، في إشارة واضحة إلى دقة التنسيق التقني المفتوح وجلب المعدات الضرورية لضمان سير المشروع في آجاله المحدّدة.
علاوة على ذلك، يمثل هذا المشروع الحيوي وما رافقه من تسهيلات ميدانية، رمزاً لوحدة إفريقيا الجديدة التي تعتمد على قدراتها الذاتية، حيث توظف فيه الجزائر خبرتها العريقة في مجال الطاقة، عبر شركة سونلغاز بمقاربة متكاملة.
هذه المقاربة تجمع بين الخبرة التقنية العالية والدعم التنظيمي لضمان إنجاز وإدارة المشاريع، وفق أعلى المعايير المعتمدة دولياً.
كذلك، يمتد هذا التعاون الطاقوي ليشمل برامج تكوين وبناء قدرات متخصّصة لفائدة الإطارات الفنية النيجرية، فالجزائر تدرك أنّ الاستثمار الحقيقي يكمن في العنصر البشري، ولذلك تم إدماج خطط لنقل التكنولوجيا وتأهيل مهندسي وعمال شركة “نيجلاك”، سواء من خلال الحضور الميداني في المنشآت الجزائرية أو عبر آليات التكوين المستمر، ممّا يضمن استدامة هذه المشاريع وتسييرها بكفاءات محلية.
كذلك وفي نفس السياق، لا يمكن فصل هذا المسار الاقتصادي المندمج عن المقاربة الأمنية الشاملة، التي تتبناها الجزائر في تعاملها مع جوارها الإفريقي. وفي هذا الإطار يوضّح الدكتور منصوري عبد القادر، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، في تصريح للشعب، أبعاد وخلفيات هذه الخطوات قائلاً: “إنّ التحول الجوهري في مسار العلاقات الجزائرية النيجرية يعكس إدراكاً عميقاً وصريحاً لتلازم المسارين الأمني والاقتصادي في المنطقة، ورؤية الجزائر الاستراتيجية كانت ولا تزال مبنية على قاعدة ثابتة، مفادها أنه لا أمن بدون تنمية، ولا استقرار مستدام في الساحل الإفريقي دون إرساء مشاريع اقتصادية مهيكلة تمتص البطالة وتوفّر الخدمات الأساسية للمواطنين. وهذا الاندماج الاقتصادي والشراكة الميدانية هما الجدار الأول لصد التهديدات الأمنية وتجفيف منابع عدم الاستقرار في المنطقة ككل”.
وبالإضافة لـما سبق، تتجه الإرادة السياسية بقوة، في كل من الجزائر والنيجر نحو تحويل الحدود المشتركة الممتدة لمئات الكيلومترات من مجرّد نقاط عبور أمنية، إلى أقطاب تنموية فاعلة ومناطق تبادل تجاري ومناطق للتبادل الحرّ، كما أنّ تفعيل مثل هذه المشاريع يمهّد الطريق لاستثمارات أوسع، ممّا يعزّز السيادة الاقتصادية لدول المنطقة، وتؤكّد كل المؤشّرات الحالية أنّ مسار العلاقات بين الجزائر ونيامي قد وُضع مجدّداً على سكة صلبة، تقوم على الفعل الميداني وتبادل المنفعة، والانخراط المباشر في بناء محطات طاقة وتأسيس بنية تحتية متطورة، يثبت أنّ التكامل الإفريقي المنشود ممكن التحقيق، متى توفّرت الإرادة الصادقة والعمل المشترك الجاد.



