د. ساسان لـ «الشعب»: دبلــومـاسيّتنا ثابتـــة على مبـدأ الحـــوار
د. خزار لـ «الشعب»: منطقة الخليــج دخلــت مرحلــة دقيقــة
ترسيخ أولوية المفاوضات والحــوار على حساب عسكرة الصراعــات
أبان الموقف الجزائري الرّسمي الرّافض لاستهداف دول عربية شقيقة، بعد أن شنّت الولايات المتحدة والكيان الصّهيوني هجومًا عسكريًا على إيران، عن حكمة دبلوماسية في الرّؤية والتدبير، ومحاولة للتوصّل إلى مخرج سلمي للأزمة الرّاهنة، والعودة إلى طاولة الحوار والتّفاوض بين الفرقاء السياسيين.
أجرى رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الأحد، سلسلة اتصالات هاتفية بقادة السعودية وسلطنة عُمان وقطر والكويت والأردن، أبدى خلالها أمله في عودة الأمن والهدوء والسكينة والسلام للمنطقة، مبرزًا أهمية دور الوساطة العُمانية والنتائج الجدّ إيجابية التي حقّقتها قبل اندلاع الحرب، ودعمه التام لدور وساطة دولة قطر لوقف التصعيد الخطير الذي يشهده الشرق الأوسط. وتناولت اتصالات الرئيس تبون مع نظرائه، الأوضاع في الشرق الأوسط وتأثيراتها على دول وشعوب المنطقة.
وتعليقًا على الموضوع، أكّد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة باجي مختار في ولاية عنابة، الدكتور رشيد ساسان، أنّ العمل الدبلوماسي الجزائري لم يخرج عن عقيدة راسخة لدى الدولة الجزائرية بأولوية المفاوضات والحوار على حساب عسكرة الصراعات، أو فرض الحلول الأمنية القهرية، التي بدأت تحكم العلاقات الدولية، منذ بداية الألفية الثالثة، وانتهت إلى إعادة بناء العلاقات على أساس القوة بجميع أشكالها، لاسيما القوة المسلّحة.
وأوضح الدكتور رشيد ساسان، في تحليل خصّ به «الشعب»، أنّ بيانات الاتصالات الصادرة عن رئاسة الجمهورية الجزائرية ووزارة الخارجية، تخلص إلى صياغة الموقف الجزائري وفق تطور الأوضاع على الأرض، دون أن يخرج عمله الدبلوماسي عن محدّداته المبدئية، وعلى الأخص استقلالية القرار الخارجي، والحياد الإيجابي للجزائر، مشيرًا أنّ هذا التطور ظهر في التعامل مع الأزمة وفق معطى واقعي يحدّده اتجاه مسار الحرب.
وأبرز ساسان، أنّ بيان وزارة الخارجية الجزائرية في أول أيام العملية العسكرية الأمريكية ضد إيران، جدّد تمسّك الجزائر بالمفاوضات كوسيلة لحلّ الأزمات الدبلوماسية، خاصة وأنّ الطرفين كانا قد انطلقا في مفاوضات برعاية سلطنة عُمان.
كما نبّهت في ذات البيان، إلى أنّ الحرب سوف تُعرِّض كل منطقة الخليج إلى خطر عدم الاستقرار، وهو الأمر الذي حدث فعلاً بتمدّد الحرب إلى كل دول الخليج في ثاني أيامها.
وكشفت الجزائر، عن حيوية دبلوماسيتها من خلال تطوير موقفها من الحرب، شكلاً ومضمونًا، وإزالة أي غموض عن موقفها المتضامن مع الدول الشقيقة في الخليج، إذ يظهر هذا التطور في الشكل من خلال الاتصال المباشر بقادة وزعماء الدول المعنية، وعدم الاكتفاء بإصدار بيانات، بحسب قوله.
أمّا من حيث المضمون، رأى الدكتور ساسان، أنّ الجزائر أكّدت علاقات الصداقة والتضامن مع الدول العربية الشقيقة، بما ينزع عن الموقف الجزائري أي لبسٍ أو تأويلٍ.
ومن جهته، كشف الباحث في العلاقات الدولية بجامعة الحاج لخضر في ولاية باتنة، الدكتور صهيب خزار، أنّ الموقف الجزائري برز إثر اندلاع الحرب على طهران، وما أعقبها من استهداف لدول عربية، كامتدادٍ لنهجٍ دبلوماسي رصينٍ وثابتٍ، يقوم على التوازن والاحتكام إلى الشرعية الدولية.
وفي حديثه لـ»الشعب»، قال الدكتور صهيب خزار، أنّ منطقة الخليج دخلت مرحلة دقيقة تنذر باتساع رقعة المواجهة بين الفرقاء، وتحوّلها إلى صراع إقليمي مفتوح. وفي خضم هذا التصعيد المتبادل تجلّى الموقف الجزائري الحكيم، الداّعي إلى العودة للمفاوضات والحوار لحلّ الأزمة.
وبحسب خزار، رفضت الجزائر التصعيد العسكري المتبادل، ودعت بشكل رسمي إلى ضبط النفس والامتناع عن أي خطوات تصعيدية من شأنها تعميق النزاع الحاصل، حيث شهدت الأيام الأخيرة حركية دبلوماسية نشطة، تجسّدت في اتصالات رسمية أجراها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، مع عدد من قادة الدول الخليجية، إضافة إلى تحرّكات وزير الشؤون الخارجية، السيد أحمد عطاف، مع سفراء البلدان المعنية، في إطار تفعيل آليات التشاور وتبادل التقييمات حول تطورات الوضع.
وتابع: «تعكس هذه التّحرّكات حرص الجزائر على منع انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية واسعة قد تمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد من الخليج، بما يحمله ذلك من مخاطر على الأمن والاستقرار الدوليين. فالمقاربة الجزائرية لا تنطلق من حسابات ظرفية، بل من رؤية مبدئية تعتبر أنّ الحلول العسكرية لا يمكنها أن تؤسّس لاستقرار دائم، وأنّ العودة إلى طاولة المفاوضات تبقى الخيار الأكثر عقلانية ومسؤولية. كما أنّ تصاعد العمليات العسكرية يطرح إشكالات قانونية جدية تتّصل بمبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، وهو المبدأ الذي يشكّل حجر الزاوية في النظام الدولي المعاصر».
ورغم العلاقات المتوازنة التي تجمع الجزائر بكل من الدول الخليجية وإيران، فإنّها ترفض الانخراط في محاور متصارعة أو الاصطفاف ضمن استقطابات حادة قد تجرّ المنطقة إلى مزيدٍ من التعقيد. وفي هذا السياق، جاء تثمين الجزائر لدور الوساطة الذي اضطلعت به سلطنة عُمان بين طهران وواشنطن، كما أدانت أي خرق لسيادة الدول أو اعتداء يمسّ استقرارها، انسجامًا مع مبادئها التاريخية الثابتة في دعم احترام القانون الدولي، وفقًا للمصدر ذاته.
تمسّك الجزائر بهذا النّهج الرّشيد، يعكس قناعة راسخة بأنّ دورها الإقليمي يجب أن يظلّ عامل تهدئة لا عنصر تأجيج، وجسر تواصل لا طرفا في النزاعات، إذ يبقى رهانها هو الدفع نحو تسويات سياسية سلمية وعادلة، تحفظ سيادة الدول وتصون أمن الشعوب، وتؤكّد أنّ الدبلوماسية، مهما تعقّدت الظروف، تظل الخيار الأكثر حكمة واستدامة لإنهاء الصراعات، يقول الباحث في العلاقات الدولية بجامعة باتنة1، الدكتور صهيب خزار.



