تهميش القانون الدولي وعدم احترامه سيقود إلى تقويض ركائز السلام العالمي
يشهد الشرق الأوسط هذه الأيام تصعيداً عسكرياً واسع النطاق وحالة غير مسبوقة من اللااستقرار الإقليمي التي تنذر بعواقب وخيمة على المنظومة الدولية ككل، برأي مراقبين، وهي تطورات خطيرة تعيد إلى الأذهان النقاشات الدبلوماسية والمواقف التي عبرت عنها الجزائر بشكل واضح خلال فترة عضويتها في مجلس الأمن والتي انقضت عام 2025، حيث ركزت في مقاربتها على حقيقة أساسية مفادها أن الاستمرار في تهميش القانون الدولي وعدم احترامه سيقود حتما إلى تقويض ركائز السلام العالمي، وأن التغاضي عن الانتهاكات المنهجية يؤسس لبيئة خصبة للصراعات المفتوحة التي يصعب احتواؤها لاحقا وتتجاوز ارتداداتها الحدود الجغرافية للإقليم.
في هذا السياق، ارتكزت الرؤية الجزائرية على تسليط الضوء على الخلل البنيوي في التعاطي مع الأزمات الإقليمية، لاسيما ما يتعلق بالحصانة المطلقة التي يحظى بها الكيان الصهيوني داخل المنظومة الأممية، حيث أثبتت الوقائع الميدانية أن اعتبار هذا الأخير استثناء فوق المساءلة والقانون، قد شجعه على التمادي في سياساته العدوانية التي باتت تهدد الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط بشكل مباشر، وكانت الجزائر قد حذرت من الوهم التوسعي أوما يسمى بـ “إسرائيل الكبرى”، باعتباره مشروعا ينسف أي أفق للاستقرار ويقوم على مصادرة حقوق الشعوب وتغيير الخرائط الجيوسياسية بقوة السلاح وفرض الأمر الواقع بعيدا عن أي رادع قانوني أو أخلاقي.
علاوة على ذلك، لم تقتصر المقاربة الجزائرية على تشخيص الأزمة القائمة فقط، بل امتدت لتطرح بدائل هيكلية لإصلاح الخلل في العلاقات بين الدول، من خلال الدعوة إلى ضرورة دمقرطة العلاقات الدولية والعمل بشكل واع ومسؤول على بناء نظام دولي متعدد الأقطاب، نظام يعيد الاعتبار للدبلوماسية كأداة رئيسية لحل الخلافات وفق مبدأ المفاوضات المتكافئة، مع التشديد على ضرورة الابتعاد عن الأساليب العسكرية أحادية الجانب التي أثبتت فشلها الذريع في فرض الاستقرار، بل وعمقت من حالة الفوضى وأضعفت الثقة في المؤسسات الدولية المنوط بها حفظ السلم والأمن الدوليين.
كما أن تداعيات هذه السياسات العدائية، أحدثت شرخا واضحا في المنظومة الدولية عبر ضرب كل المعاهدات والاتفاقيات عرض الحائط، وهو ما دفع بدول عديدة إلى إدراك حجم الخطورة والتعبير عن مواقف رافضة لهذا النهج، ولعل أبرزها الموقف المبدئي لدولة إسبانيا التي رفضت بشكل قاطع ومستمر الهجمات العسكرية الموجهة ضد دول أخرى خارج إطار الشرعية الدولية، مؤكدة بذلك أن الالتزام بالقانون الدولي لا يقبل التجزئة أو الانتقائية في التطبيق وأن الأمن العالمي كل لا يتجزأ.
وفي قراءة تحليلية لهذه المواقف والأبعاد الاستراتيجية، أوضح الدكتور بوحاتم مصطفى، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، في تصريح لـ “الشعب”، طبيعة هذه المقاربة الجزائرية وعلاقتها العضوية بالأمن الإقليمي والقومي، مشيراً إلى أن “الرؤية الجزائرية التي تم التأسيس لها تنطلق من عقيدة سياسية وأمنية ثابتة، تعتبر الأمن القومي العربي كتلة واحدة متراصة، وأن القراءات الاستباقية التي قُدمت في مجلس الأمن كانت تشريحاً دقيقاً واستشرافياً لمآلات التغاضي عن الاستخفاف الممنهج بالقانون الدولي”.
وأضاف بوحاتم أن “إدراك خطورة المساس بأمن أي دولة عربية شقيقة، كونه استهدافاً مباشراً للأمن الإقليمي ككل، هو المحرك الأساسي الذي يدفع نحو السعي الجاد لبلورة موقف عربي موحد وقوي يعزز من قدرات الردع الشاملة، فالمقاربة الجزائرية ترفض تماماً الاستكانة لسياسة الأمر الواقع، وترى في التمسك الصارم بالشرعية الدولية والتضامن العربي الفعلي والملموس، السبيل الوحيد والأنجع لمواجهة هذه التحديات المفصلية، وإحباط مساعي التفرقة التي تستهدف كيان الأمة العربية”.
ويرى العديد من المتابعين أن التطورات الميدانية والتحولات السياسية الراهنة أثبتت أن استمرار تهميش القانون الدولي، وتغييب آليات المساءلة الجنائية والسياسية، سيظل الوصفة الأكيدة لاستمرار الحروب المدمرة وتناسل الأزمات المستعصية في المنطقة وهو ما يتقاطع بشكل تام بما دعت إليه الجزائر، مما يحتم على المجتمع الدولي بأسره وبكل مكوناته، ضرورة العودة الفورية إلى جادة الصواب، والعمل المشترك والجاد لبناء علاقات دولية متوازنة وعادلة تحترم سيادة الدول، وتضمن الأمن والاستقرار للجميع، بعيداً عن منطق القوة العمياء والهيمنة العسكرية التي تقود العالم بخطى متسارعة نحو المجهول.




