طرق استراتيجيــــة لتعزيـز التكامــــل الاقتصـــادي بـــين الشمـال والجنــوب
شهد الاقتصاد الجزائري، خلال السنوات الأخيرة، تحوّلات إيجابية مهمة تهدف إلى تقليل اعتماده على قطاع المحروقات، وتنويع مصادر دخله، بالتوازي مع شروع الدولة في إطلاق مشاريع اقتصادية عملاقة غير طاقوية، وبنية تحتية كبرى في مجالات الصناعة والتعدين والنقل والأشغال العمومية والفلاحة والسياحة، بحسب ما أكّده الباحث في علوم الإعلام والإتصال بجامعة ولاية مستغانم، الدكتور محمد النذير عبد الله ثاني.
سفيان حشيفة
أوضح الدكتور محمد النذير عبد الله ثاني، في تصريح أدلى به لـ»الشعب»، أنّ مشاريع استغلال الموارد الطبيعية سارية المفعول، تعكس بروز توجه استراتيجي نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة، مثل مشروع منجم الزنك والرصاص بواد أميزور ببجاية، ومنجم الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة، إضافة إلى مشاريع اللوجستيك الضخمة كخطوط السّكك الحديدية وتطوير الموانئ والطريق العابر للصّحراء، باعتبارها ركائز حقيقية لهذا التحول الاقتصادي.
أفصح عبد الله ثاني، أنّ الحكومة الجزائرية تعكف على تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، من أجل تسريع إنجاز المشاريع الكبرى وإرساء قواعد تحريك الاقتصاد الوطني، في ضوء تطبيق سياسة اقتصادية تعتمد أساسًا على الصناعات الإستخراجية والتحويلية وتشييد البنى التحتية والقاعدية الصلبة، التي تعدّ ركيزة أساسية للنمو؛ كونها ترفع الإنتاجية، وتجذب الاستثمارات، وتُسهِّل حركة التجارة الداخلية، وتخلق فرص عمل فورية، وتُقلِّل تكاليف الإنتاج، ممّا يعزّز التنافسية الدولية والتنمية المستدامة، وتحسين مناخ الاستثمار في الجمهورية.
واعتبر محدّثنا، منجم غارا جبيلات في جنوب غرب الجزائر، أحد أهمّ مشاريع التعدين في إفريقيا والعالم، باحتياطات خام حديد تتجاوز 3.5 مليار طن، أين شرعت الدولة فعليًا في استغلاله بعد عقود طويلة من استكشافه، وجرى نقل أولى شحنات خاماته إلى المصانع الوطنية لمعالجتها، مشيرا أنّ هذا المشروع يهدف إلى الرّقي بالصناعة الوطنية للحديد والصلب، وإنهاء استيراد المعدن وتوفير نحو1.5 مليار دولار سنويًا من فاتورة توريده.
ومن المشاريع التعدينية الأخرى، يوجد أيضاً منجم الفوسفات في بلاد الحدبة، بولاية تبسة شرق الجزائر، الذي يعدّ أحد أكبر المشاريع الصناعية في البلاد بمجال الأسمدة والصناعات الكيماوية، نظرًا إلى احتياطاته الكبيرة من الفوسفات المرشّحة للتحويل والتصنيع محليًا إلى منتجات ذات قيمة مضافة، ما سيُسهم في تنمية الصناعات التحويلية وخلق فرص عمل جديدة، إضافة إلى تعزيز صادرات الجزائر خارج قطاع المحروقات، بحسب قوله.
وتابع: «لا يقتصر توطين المشاريع الكبرى على قطاع التعدين فقط، بل يشمل برنامج رئيس الجمهورية مشاريع بنى تحتية ضخمة، أهمّها إنشاء خطوط للسّكك الحديدية تمتد لآلاف الكيلومترات عبر الصّحراء، لربط المناجم بالمراكز الصناعية والموانئ في شمال البلاد، ضمن خطة استراتيجية وطنية لتوسيع شبكة السّكك الحديدية إلى نحو 15 ألف كيلومتر بحلول عام 2030، ومنه تعزيز حركة نقل الموارد والسلع وتشجيع التنمية الاقتصادية في الولايات الجنوبية».
كما تعمل السلطات العمومية على تطوير شبكة النقل الطرقية الاستراتيجية لتعزيز التكامل الاقتصادي بين الشمال والجنوب، ومن أبرزها الطريق العابر للصّحراء الذي يربط الجزائر بعمقها الإفريقي مرورا بدول الساحل، إذ يُرتقب أن يفتح آفاقًا جديدة للتجارة البينية، ويُحوِّل البلاد إلى محور لوجستي بين قارتي إفريقيا وأوروبا، يذكّر محمد النذير.
وأردف: «هذه المشاريع وأخرى كثيرة، تعكس رؤية اقتصادية جديدة للجزائر تقوم على استغلال الثروات الطبيعية والمعدنية، وتطوير البنية التحتية، بغية تحويل البلاد إلى مركز صناعي ولوجستي في المنطقة. ومع استمرار تنفيذ هذه البرامج، يُتوقّع أن يرتفع دور القطاعات غير النفطية في الاقتصاد الوطني، ممّا يساهم في تحقيق تنمية اقتصادية أكثر استقرارًا واستدامة».
الاقتصاد الجزائري يعيش مرحلة تحوّل تدريجي تمهّد لتحقيق نهضة مكتملة الأركان، سيكون لها انعكاس إيجابي على حياة الأجيال الحالية والقادمة، يُضيف الدكتور محمد النذير عبد الله ثاني.

