أكد المحلل السياسي والأستاذ في علوم الإعلام والاتصال، حكيم بوغرارة أن قرار رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون القاضي برفع التجميد عن اتفاقية حسن الجوار والتعاون مع إسبانيا، الموقعة سنة 2002، يشكل خطوة استراتيجية بالغة الأهمية في مسار إعادة بعث العلاقات الثنائية بين البلدين، بعد فترة من الجمود دامت قرابة أربع سنوات، مؤكداً أن هذا القرار يعكس إرادة سياسية واضحة لتجاوز الخلافات الظرفية والانخراط مجدداً في منطق الشراكة والتعاون.
وأوضح بوغرارة، في قراءة تحليلية لهذا التطور، أن هذه الخطوة تأتي في سياق إقليمي ودولي معقد، تطبعه تحولات متسارعة في موازين القوى، وتنامي التحديات الأمنية والاقتصادية، ما يجعل من إعادة تفعيل هذه الاتفاقية ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار دبلوماسي، وأضاف أن الجزائر، من خلال هذا القرار، تؤكد مرة أخرى تمسكها بسياسة خارجية متزنة قائمة على الحوار والتعاون، مع الحفاظ على سيادتها ومصالحها العليا.
وأشار المتحدث إلى أن اتفاقية حسن الجوار والتعاون بين الجزائر وإسبانيا لا تقتصر على بعدها السياسي فقط، بل تتجاوز ذلك لتشمل مجالات حيوية واستراتيجية متعددة، على غرار التعاون الأمني والعسكري، وتنسيق الجهود في مكافحة الإرهاب، والتصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية، إضافة إلى تعزيز المبادلات الاقتصادية والتجارية، وهي كلها مجالات تكتسي أهمية متزايدة في ظل الظروف الراهنة التي تعرفها منطقة البحر الأبيض المتوسط.
وفي هذا الإطار، شدد الدكتور بوغرارة على أن التهديدات الإرهابية التي ما تزال قائمة في بعض مناطق الساحل والصحراء، إلى جانب تنامي شبكات الهجرة غير النظامية، تفرض على دول الضفة المتوسطية تعزيز التنسيق الأمني وتبادل المعلومات، وهو ما توفره هذه الاتفاقية من آليات عملية وفعالة، كما أن المناورات العسكرية المشتركة وتبادل الخبرات بين المؤسستين العسكريتين في البلدين من شأنه أن يرفع من جاهزية الطرفين لمواجهة مختلف التحديات الأمنية.
ومن الجانب الاقتصادي، أبرز المحلل السياسي أن إعادة تفعيل الاتفاقية تمهد لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والاستثماري، تقوم على استغلال الإمكانات الكبيرة التي يتوفر عليها البلدان، سواء في القطاع الفلاحي أو الصناعي أو الخدمي، وأكد أن الجزائر تسعى اليوم إلى تنويع اقتصادها وتعزيز جاذبيتها للاستثمار الأجنبي، في حين تمثل إسبانيا شريكاً أوروبياً مهماً يمكنه المساهمة في نقل الخبرة والتكنولوجيا.
وفي سياق متصل، اعتبر بوغرارة أن ملف الطاقة يظل أحد أبرز محاور التعاون بين الجزائر وإسبانيا، حيث تعد الجزائر من أهم مموني السوق الإسبانية بالغاز الطبيعي، بأكثر من 10 مليارات متر مكعب سنويا، مع إمكانية رفع هذه الكميات مستقبلا، خاصة في ظل الطلب المتزايد على الطاقة في أوروبا.
وأشار إلى أن توجه إسبانيا نحو استيراد الغاز الطبيعي المسال الجزائري يفتح آفاقاً جديدة للتعاون، وفق شروط تفاوضية تراعي مصالح الطرفين وتواكب التحولات التي تعرفها الأسواق العالمية.
ولفت المتحدث إلى أن الجزائر، ورغم التوتر الذي شهدته العلاقات في وقت سابق على خلفية تغيير الموقف الإسباني من قضية الصحراء الغربية، لم تلجأ إلى استخدام ورقة الطاقة كورقة ضغط، وهو ما يعكس مصداقيتها كشريك موثوق، ويعزز مكانتها في السوق الطاقوية الدولية. وأضاف أن هذا السلوك المسؤول ساهم في الحفاظ على جسور الثقة بين البلدين، ومهد الطريق لعودة العلاقات إلى مسارها الطبيعي.
كما تطرق بوغرارة إلى الاستثمارات الكبيرة التي رصدتها الجزائر في قطاع الطاقة، والتي بلغت نحو 40 مليار دولار، خلال الفترة الممتدة من 2022 إلى 2026، مؤكداً أن هذه الاستثمارات تهدف إلى تعزيز قدرات الإنتاج والتصدير، وضمان تموقع الجزائر كفاعل رئيسي في الأسواق الطاقوية، خاصة في ظل الاضطرابات التي تعرفها سلاسل الإمداد العالمية نتيجة الأزمات الجيوسياسية.
وفي هذا السياق، أشار محدثنا إلى أن التوترات التي تعرفها بعض المناطق الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب، تؤثر بشكل مباشر على استقرار الأسواق الطاقوية، ما يزيد من أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الجزائر كمورد موثوق وآمن للطاقة. وهو ما يمنحها – حسب قوله – هامشاً أكبر لتعزيز شراكاتها الدولية، بما في ذلك مع إسبانيا.
وستنعكس عودة العلاقات الجزائرية الإسبانية إلى مستوياتها الطبيعية – وفق بوغرارة – إيجابا على حجم المبادلات التجارية والاستثمارات المشتركة، التي عرفت في السابق نمواً ملحوظاً. كما أن الإمكانات المتاحة في كلا البلدين تتيح فرصاً كبيرة لتحقيق تكامل اقتصادي حقيقي، خاصة في مجالات الزراعة والصناعة والخدمات، التي تشهد ديناميكية متزايدة في الجزائر.
وتعد الخطوة – يقول بوغرارة – تحولاً عملياً نحو إعادة بناء الثقة وترسيخ شراكة استراتيجية طويلة المدى بين الجزائر وإسبانيا، قائمة على البراغماتية السياسية وتغليب المصالح المشتركة، بما يسمح بمواجهة التحديات الراهنة بفعالية أكبر، وضمان استمرارية التعاون في مختلف المجالات الحيوية، في ظل بيئة دولية تتسم بعدم الاستقرار وتزايد حدة التنافس.


