في تطور يعكس حجم القلق الرسمي من تداعيات الأزمة الطاقية العالمية، تتجه وزارة الداخلية المغربية إلى التحضير لحزمة من الإجراءات غير المسبوقة، في مقدمتها إطفاء وتقليص الإنارة العمومية بعدد من المدن والقرى لمواجهة الارتفاع الحاد في أسعار النفط.
مؤشّرات تأتي في سياق دولي مضطرب، عنوانه الأبرز التوترات المتصاعدة في منطقة الخليج، والتهديدات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، الذي يعد شرياناً أساسياً لإمدادات النفط نحو العالم، ما ينذر بارتدادات مباشرة على الدول المستوردة للطاقة، وعلى رأسها المغرب.
وفق معطيات متقاطعة، فإنّ السلطات المغربية تستعد لتفعيل إجراءات صارمة تشمل تقليص ساعات الإنارة العمومية، بل وإطفاء الأضواء في بعض الفترات الليلية، خاصة بالمناطق ذات الاستهلاك المرتفع.
ولا يُستبعد أن تمتد هذه الإجراءات إلى الفضاءات العمومية والمرافق الإدارية، مع فرض قيود على الاستهلاك الطاقي داخل المؤسّسات العمومية، في إطار تعبئة شاملة لتقليص الضغط على الموارد الطاقية.
قرارات قاسية تلوح في الأفق
تؤكّد مصادر متابعة، أنّ الأمر لا يتعلق فقط بالإنارة، بل بخطة أوسع تشمل تقليص التنقلات، وتشجيع العمل عن بعد في بعض القطاعات، إضافة إلى إطلاق حملات لفرض ثقافة الاقتصاد في استهلاك الكهرباء والمحروقات.
كما يُنتظر تشديد المراقبة على الاستهلاك الطاقي، وفرض إجراءات تنظيمية جديدة تمسّ أنماط العيش اليومية.
بالتوازي مع هذه الإجراءات، ستسجّل أسعار الغازوال والبنزين ابتداء من اليوم، الفاتح أفريل، زيادة صاروخية جديدة تتجاوز درهمين في اللتر. هذه الزيادة المرتقبة ستكون الثانية في ظرف أسبوعين، ما ينذر بموجة غلاء جديدة ستطال مختلف القطاعات، من النقل إلى المواد الأساسية.
المغرب تحت الضّغط
الوضع الحالي يضع المغرب أمام اختبار حقيقي، باعتباره بلداً يعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة، ما يجعله عرضة مباشرة لتقلّبات السوق الدولية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الحكومة المخزنية مطالبة بإيجاد توازن دقيق بين حماية التوازنات المالية للدولة، وتفادي انفجار اجتماعي محتمل نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة.
فهذه الإجراءات تثير مخاوف شديدة من انعكاساتها على الحياة اليومية للمواطنين، خاصة في ظل تزايد الإحساس بالضغط المعيشي. كما يطرح هذا التوجّه تساؤلات حول مدى جاهزية البنية الطاقية الوطنية لمواجهة صدمات خارجية بهذا الحجم.
سباق لتفادي الأسوأ
في المحصلة، يبدو أنّ المغرب يدخل مرحلة دقيقة عنوانها «التقشّف الطاقي الإجباري»، حيث لم تعد الخيارات واسعة أمام صناع القرار، في ظل أزمة عالمية مفتوحة على كل الاحتمالات.
وبين إطفاء الأنوار وارتفاع الأسعار، يجد المواطن نفسه في قلب معادلة صعبة، عنوانها الأكبر: كيف يمكن التكيّف مع زمن الطاقة المكلفة؟
الشعب يدفع الثمن
هذا، وقد راسلت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل رئيس الحكومة المخزنية، مطالبة إياه باتخاذ إجراءات للحدّ من غلاء أسعار المحروقات وضرب القدرة الشرائية للمغاربة، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات والاختلالات البنيوية التي يعرفها القطاع.
وقالت الكونفدرالية في رسالتها إنّ قطاع المحروقات يعاني من اختلالات بنيوية وعميقة، خصوصا في الجانب المتعلق بالمخزونات والأسعار، وذلك بسبب خوصصة مساهمات الدولة في شركات توزيع المواد النفطية، ابتداء من سنة 1995، وفي شركات تكرير البترول ابتداء من سنة 1997، إضافة إلى قرار تحرير أسعار المحروقات وحذف الدعم من قبل صندوق المقاصة، ابتداء من نهاية سنة 2015. وهي عوامل أثّرت بشكل سلبي على الأمن الطاقي للبلاد، وعلى أسعار المواد النفطية وتسببت في إلحاق الضّرر بالقدرة الشرائية لعموم المواطنين وبالقدرة التنافسية للمقاولة المغربية.
ونبّهت الكونفدرالية إلى أنّ وضعية ارتفاع أسعار المحروقات بلغت مستويات لا تتحمّلها القدرة الشرائية لعموم المغاربة ولا تتناسب مع حجم البطالة المتفشية ولا مع الحلول المحدود أثرها في «الدعم الاستثنائي للمهنيين» وفي «الدعم الاجتماعي» لذوي الدخل المحدود.
وطالبت المركزية النقابية رئيس الحكومة بإلغاء قرار تحرير أسعار المحروقات، بناء على ما يتيحه القانون، والرجوع لتنظيم الأسعار بناء على قواعد تحمي حقوق المستهلكين، وتعزيز الأمن الطاقي والوقاية من صدمات السوق الدولية.
وأكّدت على إعادة تشغيل مصفاة «سامير» وإحياء تكرير البترول، فضلا عن إقرار الزيادة العامة في الأجور والمعاشات لمواجهة استمرار الغلاء وارتفاع نسبة التضخّم.

