المصداقيـة والجاهزيـة تمهـدان للجزائــر أسبـاب النجاح الاقتصــادي
تشهد العلاقات الجزائرية الأوروبية في الفترة الأخيرة حركية متسارعة ترجمتها الزيارات المتتالية لمسؤولين أوروبيين إلى الجزائر، خاصة من إيطاليا، إسبانيا، صربيا والبرتغال، في سياق دولي يتّسم بتحولات جيو-اقتصادية وجيو-طاقوية عميقة.
جاءت هذه الزيارات في وقت أصبحت مسألة أمن الطاقة أولوية بالنسبة للدول الأوروبية، في ظل الأزمات الدولية والتوترات الجيو-سياسية التي أثرت على إمدادات الطاقة العالمية، ما جعل الجزائر تبرز كأحد الشركاء الاستراتيجيين الموثوقين بفضل موقعها الجغرافي القريب من أوروبا، وقدراتها الإنتاجية في مجال الغاز، إضافة إلى توجّهها نحو تطوير الطاقات المتجدّدة، خاصة الهيدروجين الأخضر. ولا يقتصر التعاون بين الجزائر والدول الأوروبية على قطاع الطاقة فقط، بل يمتد ليشمل مجالات الاستثمار والصناعة والتجارة والتكنولوجيا، وهو ما يعكس توجّها نحو بناء شراكات اقتصادية متكاملة قائمة على تبادل المنافع وتحقيق المصالح المشتركة بين الجزائر وشركائها الأوروبيين في الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط.
مصداقيــة الجزائــر
أكّد الخبير الاقتصادي والطاقوي أحمد طرطار في تصريح لـ»الشعب»، أنّ موضوع التعاون الجزائري الأوروبي في المجال الاقتصادي والطاقوي يكتسي أهمية قصوى، بحكم مجموعة من المعطيات المهمة، خاصة وجود إمكانات كبيرة لدى الشريك الجزائري من حيث الإنتاج ومصداقية الجزائر في تعاملها مع متعامليها، إضافة إلى قرب التعامل بين ضفتي المتوسط، ومن هنا تأتي هذه الزيارات المتكرّرة لوفود أوروبية مختلفة.
ويرى الخبير أنّ الحركية الدبلوماسية الأوروبية نحو الجزائر في الفترة الأخيرة ليست ظرفية، بل تندرج ضمن توجه استراتيجي أوروبي جديد يقوم على تنويع الشركاء في مجال الطاقة والتقليل من المخاطر المرتبطة بممرّات الطاقة العالمية، في ظل التوترات الجيو-سياسية التي يشهدها العالم. كما أنّ الجزائر تسعى من جهتها – بحسب طرطار – إلى تعزيز مكانتها الاقتصادية، ليس فقط كممون للطاقة، بل كشريك اقتصادي وصناعي قادر على استقطاب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وتطوير الصناعات التحويلية، خاصة في مجالات المناجم، الطاقات المتجدّدة، والصناعة الغذائية، وهو ما ينسجم مع التوجه الجديد نحو تنويع الاقتصاد الوطني.
حركيـــة دبلوماسيــة مكثفــة
سجّل الخبير أنّ بلادنا تشهد حركية دبلوماسية مكثفة، بدءا من إيطاليا عبر رئيسة وزرائها التي تربطنا معها علاقات إيجابية، حيث نصدّر إليها 21 مليار متر مكعب من الغاز عبر الأنبوب المار عبر الشقيقة تونس، وهي تطلب المزيد، وهو يستوعب حوالي 32 إلى 35 مليار متر مكعب، بالإضافة إلى الغاز المسال، حيث نصدّر إليها 1.6 مليون طن من مجموع 9.6 مليون طن تنتجها الجزائر.
وأضاف الخبير الطاقوي أنّ إسبانيا باعتبارها شريكا واعدا، ومن خلال زيارة وزير خارجيتها إلى الجزائر، هي الأخرى تطلب المزيد، حيث تصدّر الجزائر عبر الأنبوب الرابط بين الجزائر وإسبانيا حوالي 10 مليار متر مكعب إلى إسبانيا، وكذلك صربيا، التي تسعى للشراكة في المجال الطاقوي والاستفادة من المنتوجات الطاقوية الجزائرية.
مشاريع انتقال طاقوي تعــزّز مكانـة الجزائر
ضمن هذا الإطار، أوضح طرطار أنّ هذا التعاون سيسمح للجزائر بالاستفادة من مجموعة من النتائج ومنتجات مختلفة من الطرف الأوروبي، سواء كانت تكنولوجيا مستجدة في مجال تقنيات المعلومات أو الرّقمنة، إضافة إلى تكنولوجيا إنتاج الهيدروجين الأخضر، حيث تسعى الجزائر إلى تطوير هذا المنتوج وتلبية الطلب المتزايد، لا سيما بالنسبة لما يسمى بالممرّ الجنوبي الذي يهتم بمقتضاه من جهة الجزائر، ومن جهة ثانية، ثلاث بلدان أوروبية هي إيطاليا، النمسا وألمانيا التي أبدت كل الاستعداد للحصول على المنتوج الأخضر المتمثل في الهيدروجين الأخضر.وأشار محدثنا إلى أنه بالنسبة لإسبانيا، في سياق تفعيل المبادلات التجارية بين الدولتين، تحصل الجزائر على العديد من المنتوجات الأوروبية القادمة من إسبانيا، وفي السياق ذاته، أبرز طرطار أنّ الاستفادة مشتركة، حيث يستفيد الطرف الأوروبي من الغاز الجزائري وتستفيد الجزائر ممّا هو موجود لدى هذا البلد الأوروبي، وأضاف أنّ البرتغال – بدورها – تسعى للاستفادة من الغاز الجزائري، فهناك سعي من طرف البرتغال للحصول على الغاز الجزائري، خاصة وأنّ أسعار الغاز في أوروبا ارتفعت إلى أكثر من نصف سعرها مقارنة بما قبل الأزمات الجيو-سياسية الأخيرة، وهذه كلها تصب في سياق السعي للحصول على المنتوجات الطاقوية من الجزائر.وضمن هذا الإطار، قال محدثنا إنّ الجزائر تعمل على تطوير الطاقات المتجدّدة، في إطار انتقال طاقوي منشود، من خلال برمجة مجموعة من المشاريع، منها الرفع من إنتاج الكهرباء ، ونزع البصمة الكربونية، إضافة إلى إنتاج الهيدروجين الأخضر، وإنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الذرية وغيرها من الطاقات المختلفة، وهو ما يفتح آفاقا واسعة للشراكة مع الطرف الأوروبي.
الحديـــد والفوسفــاط في صلـب الشراكـات
من جهة أخرى، أكّد طرطار أنّ تزايد اهتمام الدول الأوروبية بتعزيز التعاون مع الجزائر لا يعكس الحاجة إلى الغاز الجزائري فقط، فهو يؤكّد وجود إرادة مشتركة لبناء شراكات اقتصادية وصناعية طويلة المدى تقوم على تبادل المنافع ونقل التكنولوجيا والاستثمار، ما من شأنه أن يفتح آفاقا جديدة أمام الاقتصاد الوطني، ويعزّز مسار الإقلاع الاقتصادي.كما سجّل الخبير وجود دعوات أخرى من الضفة الأوروبية فيما يتعلق بالمجال المنجمي، حيث تسعى أوروبا لبعث تعاون آخر يتعلق بهذا المجال، وهذا من خلال الدخول في شراكات بعدة طرق سواء عن طريق المناولة، أو في سياق بعث مشاريع مستجدة، بما في ذلك الحديد والفوسفاط والزنك، عبر مشاريع تحويلية وصناعية مشتركة.
وضمن هذه الرؤية الاقتصادية التي تنتهجها الجزائر، بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، أشار محدثنا إلى أنّ الشراكات الكبيرة، تشمل مشاريع إنتاج الحبوب في تيميمون، بالشراكة مع ايطاليا، وهو ما يعتبر مشروعا واعدا.إضافة إلى ذلك – يقول طرطار – هناك مشروع واعد لإنتاج غبرة الحليب مع قطر في الجنوب، ممّا يعزز الإنتاج الحيواني المحلي، على غرار الأبقار والأغنام وحتى الجمال وغيرها من الأنعام، وتحويله إلى مشتقات الألبان وغبرة الحليب، ما يُسهم في تنويع الاقتصاد الوطني.وخلص محدثنا إلى التأكيد بأنّ التعاون مع الأشقاء العرب، والدول الإفريقية، والشركاء الأوروبيين يمكّن الجزائر من تعزيز مكانتها كفاعل اقتصادي وطاقوي محوري على ضفتي المتوسط، وبذلك، تتجه الجزائر تدريجيا نحو ترسيخ موقعها كقطب طاقوي واقتصادي محوري في المنطقة، وشريك موثوق لأوروبا في مجالات الطاقة والاستثمار والتنمية المستدامة.





