منظومــة سياسيـة قـادرة علــى إنتـاج النخــب والمؤسّســـات التمثيليــة الفعّالـة
الممارســـة الحزبيــة مرهونـــة بتقديم برامـج سياسيــة تحمل مشاريـــع فعليــة
قانــون الانتخابات.. «البرامــج السياسيــة» تعــوّض «الزعامات الفرديـة»
من «الترخيص» إلــى «الإشهـاد».. العمــل الحزبــي يتحـرّر مـن القيود الإدارية
يؤكّد المحلل السياسي حمزة بوعلي في حوار خصّ به «الشعب»، أنّ الإصلاحات السياسية المكرّسة في القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية والقانون المتعلق بالنظام الانتخابي، تمثل «نهجا سياسيا يراد من خلاله تجنّب الاختلالات التي قد تنجم عن إصلاح جزئي لا يراعي ترابط العناصر المشترطة في الانتخابات تكون أكثر قدرة على أن تفضي إلى مؤسّسات دستورية قوية تؤدي الدور المنوّط بها، وتعكس الإرادة الشعبية، بما يمنح شرعية لمخرجات المؤسّسات من قوانين..».
«الشعب»: دخل مسار الإصلاحات السياسية التي أعلن عنها رئيس الجمهورية مرحلة حاسمة بموافقة البرلمان على مشاريع قوانين مهمة، على غرار القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية والقانون الناظم للانتخابات، ما مدى أهمية هذه الخطوة في الممارسة السياسية؟
المحلل السياسي حمزة بوعلي: القانون المتعلق بنظام الانتخابات والقانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية مترابطان؛ لأنهما يمثلان الإطار القانوني للعملية الانتخابية، فالأول يحدّد القواعد الإجرائية للتنافس من نظام الاقتراع وتقسيم الدوائر والإشراف، بينما يحدّد الثاني هوية المتسابقين وكيفية تنظيمهم وتمويلهم.. إنّ إدخال إصلاحات على القانونين السابقين يمثل نهجا سياسيا يراد من خلاله تجنّب الاختلالات، التي قد تنجم عن إصلاح جزئي لا يراعى فيه ترابط العناصر المشترطة في الانتخابات، تكون أكثر قدرة على أن تفضي إلى مؤسّسات قوية تؤدي الدور المنوّط بها، وتعكس الإرادة الشعبية، بما يمنح شرعية لمخرجات المؤسّسات من قوانين.. إنّ القانون العضوي المتعلّق بالأحزاب السياسية بتحريره من القيود الإدارية، يشكّل خطوة محورية في مسار الإصلاحات، وتبقى نجاعة النصوص القانونية مرتبطة بالملاءمة بين النص والتطبيق، والاستجابة الحزبية الداخلية بتطوير هياكلها والتداول على القيادة والالتزام بالشفافية.
ولعل الأهم أنّ القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية والقانون المتعلق بنظام الانتخابات يتقاطعان في هدف واحد، يتمثل في بناء منظومة سياسية قادرة على إنتاج نخب حقيقية ومؤسّسات تمثيلية فعّالة، وتعكس الإرادة الشعبية.
صادق البرلمان بغرفتيه مؤخّرا على القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية، المتميّز أساسا باعتماد مقترحات التشكيلات السياسية في إعداد نصّه، هل تدخل ممارستها مرحلة جديدة تنعكس على أدائها؟
تعد الأحزاب السياسية في النظم الديمقراطية الحديثة آليات وسيطة تقوم بوظائف حيوية، تتمثل في تنظيم المشاركة الشعبية، وتكوين النخب، وتقديم البرامج السياسية إلى جانب ترشيح القيادات والرقابة على المؤسّسات المنتخبة، بالإضافة إلى قيامها بعملية التجنيد السياسي، أي تنشئة الأفراد في المجتمع على القيام بالعمل السياسي، وتتوقّف جودة التحول الديمقراطي إلى حدّ كبير على مدى قدرة الحزب السياسي على الانتقال إلى التعدّدية التنافسية القائمة على البرامج والمساءلة الانتخابية.. لعل أبرز السمات المؤسّساتية للقانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية المصادق عليه مؤخّرا من قبل البرلمان، الانتقال من منطق الترخيص إلى منطق الإشهاد، إذ تضمّنت الصياغة الجديدة تبسيط إجراءات التأسيس والانتقال من نظام الموافقة المسبقة الذي كان يمنح سابقا السلطة التنفيذية صلاحية تقديرية واسعة، إلى نظام الإشهاد القانوني حيث إنّ دور الإدارة محصور في التحقّق من استيفاء الشروط الموضوعية المنصوص عليها في القانون.. هذا التحول يحدّ من الانحياز، ويفتح المجال أمام تعدّدية حزبية أكثر تمثيلا للتشكيلات السياسية والاجتماعية المختلفة.
وكان للمشاركة الفعالة للأحزاب السياسية في مرحلة إعداد القانون، أثر إيجابي في المقاربة السياسية التشاركية في أسلوب الحوكمة السياسية من النموذج التقريري إلى النموذج التفاوضي، ما يعزّز الشرعية الإجرائية للقانون والتزام الأطراف السياسية به، كما كرّس توسيع هامش الاستقلال المالي والإداري للأحزاب، إذ تناول آليات لتمويل الأحزاب بشفافية أكبر، مع وضع ضوابط للمساهمات الخاصة والإنفاق الانتخابي، إلى جانب إقرار استقلالية الأحزاب في تنظيم هياكلها الداخلية وشؤون أعضائها، بما ينتج نخبا سياسية حقيقية قادرة على المنافسة في إطار ديمقراطي.
ويمكن قياس أثر القانون الجديد على ثلاث مستويات، فعلى المستوى التنظيمي، يعزّز الاحترافية الحزبية بتعزيز شروط التأسيس والمنافسة، ويرجّح أن تعرف الساحة الحزبية تحوّلات من النمط التقليدي القائم على الزعامات الفردية والولاءات الشخصية إلى نمط أكثر احترافية، حيث تصبح الممارسة الحزبية مرتبطة بالقدرة على تقديم برامج سياسية حقيقية تحمل مشروع مجتمع فعلي، وقدرتها على تنظيم وإدارة حملات انتخابية تمتاز بالشفافية المالية لإبعاد شبهة المال الفاسد عن العمل السياسي، بما يكرّس أخلقة الممارسة السياسية، ويحدّ من الدخول العشوائي إلى الساحة السياسية، ويحفّز التشكيلات الفتية على الاندماج في تشكيلات كبرى.
ويساهم قانون الأحزاب الجديد في تحسين جودة التنافس الانتخابي، وله تأثير مباشر على العملية الانتخابية، من خلال إعادة هيكلة علاقة الأحزاب مع المواطنين، فمع وجود أطر حزبية أكثر استقرارا وبرامج أكثر وضوحا، يتحوّل الخيار الانتخابي للمواطن من اعتبارات شخصية أو جهوية إلى خيار قائم على البرامج والرؤى السياسية، وهذا يمثل قفزة نوعية في نشر الثقافة السياسية وترسيخ الديمقراطية التمثيلية، ويمكن القول إنّ القانون يغرس الثقافة السياسية ويضفي جدية أكبر على الممارسة السياسية، ويضع حدّا للتجوال الحزبي.
أمّا على المستوى المؤسّساتي، فإنه يكرّس الفصل بين السلطات الذي يعد من أهم المبادئ التي يقوم عليها الدستور الجزائري، لتكريسه الممارسة الديمقراطية، ويأتي متكاملا مع مراجعة القانون المتعلق بنظام الانتخابات، ذلك أنّ الأحزاب القوية والمستقلة هي التي تستطيع أن تشكّل برلمانا قويا ومستقلا قادرا على ممارسة وظائفه الدستورية، متمثلة في التشريع والرقابة بعيدا عن تأثير السلطة التنفيذية، وبذلك يُسهم القانون في تحقيق التوازن المؤسّساتي الذي يعتبر جوهر دولة القانون.
تندرج مراجعة مشروع القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، في إطار بناء منظومة انتخابية متوازنة، وكذا تعزيز آليات النزاهة والديمقراطية، إلى أي مدى سيساهم في إنجاح الإصلاحات السياسية الرامية إلى تكريس دولة القانون؟
يندرج القانون المتعلق بنظام الانتخابات ضمن مساعي تعزيز الممارسة الديمقراطية القائمة على أسس دستورية قوية، إذ يمثل هذا القانون الذي يأتي في سياق إصلاحات أوسع لضبط العملية الانتخابية وضمان نزاهتها وشفافيتها.
يمكن القول إنّ القانون عالج الاختلالات التي كانت موجودة في القانون السابق، فقد ظهرت مكامن النقص جليا خلال الممارسة، ويعد القانون الجديد آلية من آليات تعزيز المشاركة السياسية والممارسة الديمقراطية، وضمان تمثيل حقيقي وفعلي للمواطنين، وتكريس بناء مؤسّسات سياسية قوية.. ولعل أهم المحاور في القانون الجديد تكريس نظام انتخابي جديد يقوم على القوائم المفتوحة وزيادة عدد المترشّحين، ويمنح للأحزاب والمترشّحين الأحرار صلاحية ترتيب أسمائهم، وهو أمر لم يكن متاحا في القانون القديم، كما يسمح للناخبين بالتأثير على هذا الترتيب باختيار من يريدون.. إلى ذلك، تمّ رفع عدد المترشّحين في الاستحقاقات التشريعية والمحلية، بما يوسّع خيارات الناخبين ويعزّز الديمقراطية التمثيلية.
وتبرز إعادة النظر في صلاحيات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات المتعلقة بتنظيم العملية الانتخابية، كمحور آخر لا يقل أهمية، فبعدما تم إعفاء الإدارة من عملية تنظيم الانتخابات التي أسندت لهذه الهيئة بالإضافة إلى مهمة الرقابة، تمّ إعفاء الأخيرة من تنظيمها الذي ستشرف عليه وزارة الداخلية، بموجب الصيغة الجديدة من القانون المتعلق بالنظام الانتخابي.
ومن حيث هيكلة السلطة، تمّ تقليص أعضائها على المستويين المركزي والمحلي، وإلى ذلك، عزّز القانون آليات الرقابة والشفافية لاسيما فيما يخص تمويل الانتخابات، لتكريس أخلقة العمل الحزبي والمشاركة السياسية، وحمل إجراءات تبعد المال الفاسد عن العمل السياسي، كما أنّ الرقمنة والفرز الإلكتروني بدورهما سيعزّزان من المصداقية والشفافية من خلال تقليص الأخطاء البشرية.
ويكتسي القانون بالغ الأهمية لتكريسه شروطا جديدة في الترشّح، لاسيما الشرط المتعلق بالمستوى التعليمي لضمان أهلية وقدرة وكفاءة المترشّحين لتغيير الشأن العام، سواء على المستوى المركزي أو على المستوى المحلي.
ولإتاحة مشاركة أوسع في الانتخابات، تمّ تقليص عدد التوقيعات المشترط، علما أنّ هذا الشرط كان بمثابة عقبة حالت دون تمكّن كثير من المترشّحين، لا سيما الكفاءات، من خوض المعترك الانتخابي للحصول على تمثيل في الهيئات التمثيلية النيابية.
تجدر الإشارة إلى أنّ تخفيض نسبة تمثيل المرأة في قوائم الترشيحات إلى الثلث بدل النصف، هي نقطة إيجابية لأخذها بعين الاعتبار خصوصيات المجتمع، ومن جهة أخرى، فإنه يحمل ضمانات قانونية جديدة تخص الطعون الانتخابية، إذ يعزّز دور القضاء الإداري كفيصل في النزاعات الإدارية، ما يكرّس تعزيز دولة القانون والشفافية.


