في أعالي جبال جرجرة النابضة بالحياة، وبين أزقة قراها الجميلة التي تصطبغ بالنمط العمراني التقليدي، تتألّق النسوة بأجمل المجوهرات الفضية التي تداعبها أشعة الشمس فتزيدها رونقا يتناغم مع صوت “الخلخال” الذي يعطي نغمة موسيقية، لتكون هذه الحلي والمجوهرات الفضية، وسيلة لوضع قواعد وأسس الحياة داخل القرى..
آث يني.. القرية القابعة في أعالي جبال جرجرة.. ارتبط اسمها بالفضة، ليكون جواز سفرها إلى قلوب عشاق هذه المجوهرات والمصوغات التقليدية التي تحمل معالم الطبيعة المتجسّدة من خلال ثلاثة ألوان (الأزرق، الأصفر والأخضر)، وترمز لا محالة إلى ألوان الطبيعة الطاغية التي تزاوج بين السماء، المروج الخضراء والصحراء، لتتعمّق أواصر الهوية الجزائرية بين الشمال والجنوب، الشرق والغرب، وتحاكي بذلك تاريخ وثقافة جزائرية، قطعت حدود البحار لتتسلل إلى العالمية وتحتل مكانتها بين ثقافات العالم ولا تقل شأنا عنها.
مجوهرات بتصاميم تقليدية
فضة آث يني حكاية حب وعشق لكل ما هو جميل، حكاية حرفة تقليدية تعود لقرون خلت وإلى معالم حياة الأسلاف الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذه الحرفة التي كانت في بدايتها مجرد صناعة يقتات منها سكان المنطقة، قبل أن تتحوّل فيما بعد إلى زينة ومجوهرات تتفاخر بها النسوة فيما بينهن في مختلف المناسبات، وتروي قصص حياتهن التي لا يفقه عنها الآخرون شيئا، ولا يعرفون أسرار يومياتهن إلا من تعايش معهن، فهي أكبر من أن تكون حرفة تقليدية وإنما مدرسة فنية للحلي التي تحمل رموزا أمازيغية محفورة بدقة، وتختصر حكايات مرتبطة بروح وأحاسيس ومشاعر النسوة، تترجم من خلال مجوهرات مختلفة الشكل والصنع والألوان، والتي تعتبر رسائل مشفرة لمجتمع جعل من المرأة ملكة وتوّجها بتاج من الفضة المرصع بحبات المرجان، لتكون انطلاقة الحديث الصامت الذي تقرأه النسوة فيما بينهن، ويرسل من خلالها الرجل رسائل مشفرة تفقه أبجدياتها النسوة وتستنطق حروفها وجملها لتترجم إلى معالم حياة يومية.
الزائر لمنطقة اث يني التي اشتهرت بصناعة الحلي التقليدية “الفضة” وحافظت على سرّ صناعة أجمل الأطقم والحلي من جيل إلى جيل منذ قرون عديدة، يجد نفسه أمام بوابة وعتبة التاريخ الذي يعود إلى الواجهة من خلال هذه الحلي التي تفنن سكانها في صناعتها منذ عام 1520، ولا تزال إلى غاية اليوم شاهدة على ذلك العصر من خلال المحافظة على هذه الحرفة التي تمسّك بها سكان اث يني وتوارثوها أبا عن جدّ، لتروي أجمل القصص والروايات وحياة النسوة في مجتمع محافظ يسير وفق عادات وتقاليد منفردة، يعرف خباياها سكان منطقة القبائل ومن زارها أو تعايش مع ساكنيها، وهذا ما منح لهذه الحرفة رمزية في أوساط أهالي القرية، وربطوها بمعالم الحياة اليومية ومختلف المناسبات، خاصة الأفراح التي تتزين فيها النسوة بأجمل الألبسة التقليدية التي ترافقها مجوهرات الفضة كإكسسوارات تزيد من جمال المرأة.
حارسات الهوية والذاكرة
كل جوهرة فضية أو حلية تحاكي حياة الفتاة في منطقة القبائل، حيث تتسارع النسوة إلى اقتناء هذه الحلي وفقا لنمط حياتها أو مركز عائلتها داخل المجتمع، وهذا ما خلق التباين والاختلاف في شكل الحلي التقليدية التي تلبسها النسوة في مختلف المناسبات، والتي يجب أن تتوفر عند كل النساء سواء من عائلة غنية أو فقيرة، وبين البساطة والفخامة تشكلت أجمل الصور الحية لنساء يجسدن العادات والتقاليد في أجمل مشهد لتكن بذلك حارسات للهوية والذاكرة، خاصة مع محافظتهن على هذه المجوهرات التي تحوّلت إلى كنوز ثقافية وموروث ثقافي، رغم مزاحمة العديد من المجوهرات والحلي الأخرى، إلا أن الفضة حافظت على رونقها وقيمتها بين كل هذه المغريات التي لم تنقص ولم تتمكن من أن تحتل مكانتها.
فهذه الحرفة التقليدية التي تجيد صناعتها أنامل الحرفيات والحرفيين الذين كانوا السباقين للتفنّن في استخراج أجمل القطع الفنية ذات الرموز الامازيغية، وبتصاميم ورتوشات خاصة بالمنطقة، تبرز جليا خبرة الحرفيين في صناعة هذه الحرف والتحف اليدوية ومحاكاة الأصالة المتجذرة في هوية وأعماق سكان منطقة القبائل.
في كل جوهرة.. لغة مشفّرة
في مجتمع قبائلي تحكمه عادات وتقاليد الأسلاف التي لا يمكن تجاوزها، أوجد الرجل لنفسه فضاء للتعبير عن مكنوناته وأحاسيسه تجاه المرأة، وذلك من خلال إيجاد لغة مشفرة وتعبيرية لإيصال رسالته، لتكون الفضة السبيل والطريق لذلك، حيث تفنّن في صناعة أجمل الحلي والمجوهرات التقليدية التي تحمل كل جوهرة منها رسالة مشفرة تعبيرية، لا يفقه أبجدياتها إلا من تصله، وهذا ما أكده المكلف بالإعلام على مستوى لجنة الحفلات في اث يني، نور الدين شلوح الذي أشار إلى أن تاريخ صناعة الفضة في اث يني، يعود إلى الزمن الغابر، وهي صناعة قديمة وموروث ثقافي يعود للأسلاف، معتبرا أن هذه الحلي ليست للجمال والزينة فقط، وإنما عبارة عن لغة مشفّرة تمرّر عبرها عدة رسائل.
محدثنا أكد أن الرجل هو أول من تفنّن في صناعة هذه الحلي التقليدية، ووجد فيها طريقة للتعبير عن مشاعره تجاه المرأة خاصة مشاعر الحب في زمن كان من الصعب إطلاق العنان للمشاعر والأحاسيس أو إيصالها لمن تملكت القلب، ولأن المرأة في المجتمع القبائلي ملكة لا يليق بها إلا تتويجها على عرش الجمال، فقد أوجد الرجل هذه الوسيلة من أجل تتويجها على عرش القلوب، من خلال تزينها بأجمل المجوهرات التقليدية التي تشع بالألوان الزاهية والمرصّعة بالمرجان الأحمر، الذي يزيدها جمالا، لتتغير الأشكال وتتخذ تصاميم مختلفة، مشيرا إلى أن كل حلي وجوهرة تضاهي الأخرى جمالا، فبين الشكل المربع، الدائري والمستطيل والمثلث، صنعت أجمل المجوهرات الفضية التقليدية بأنامل رجولية، رأوا في المرأة ملكة فتوجوها بالفضة وشكلوا مختلف الحلي التي اتخذت أسماء مختلفة وأعطت ميلادا لحرفة تقليدية ما تزال تحتفظ بمكانتها، واختصوا كل مناسبة بحلي وجوهرة خاصة بها.
وقال شلوح، إن هناك مجوهرات وحلي لا يمكن الاستغناء عنها في حياة النسوة، مثل “ثحرابث” بمعنى “طاردة السوء” التي توضع بمهد المولود الجديد لإبعاد العين الحاسدة عنه ـ حسب المعتقدات السائدة لدى النسوة ـ وأضاف أن المرأة تشتهر بوضع “ثابزيمث” تعبيرا عن وجود الفرح في منزلها، ناهيك عن “ثاعصابت” التي تُلبس على رأس الفتاة أو المرأة، في إشارة منها إلى مكانة الفتاة في تلك المناسبة وتتويجها عروس المنزل، كما ترمز إلى السقف في إشارة إلى أنها “ثقجديث” أي عصب المنزل.
رمز العزّة وزفّة العروس
تحرص العائلات في منطقة القبائل على اقتناء وشراء أجمل القطع والمجوهرات الفضية لبناتها، خاصة الفتاة التي تحضرها لزفافها، فلا يخلو جهاز عرسها من هذه القطع الفنية الجميلة، التي تتزين بها في عرسها وفي مختلف المناسبات التي تحضرها لاحقا، حيث يعتبر اقتناء الفضة للفتاة من الأولويات لدى العائلات، فلا يجوز أن تزف العروس دون أن يكون في صندوق جهازها بعض القطع الفضية التي لا يمكن الاستغناء عنها، والتي تبين توديعها للعزوبية والدخول في مرحلة تحمل المسؤولية إلى جانب زوجها ووسط أفراد عائلته.
الفضة مظهر من مظاهر الحياة في منطقة القبائل التي تقوم فيه الأمهات بالتخطيط لزواج بناتهن منذ الصغر، أين يعتبرن اقتناء الفضة من المهام الموكّلة إليهم، وحتى وإن تغيّرت ظروف الحياة عن سابقتها وتحسنت فيها ظروف المعيشة، إلا أن شراء هذه المجوهرات والاحتفاظ بها لسنوات طويلة إلى غاية تزويج البنت، سيناريو تتكرر مشاهده في منطقة القبائل، حيث تسعى الأم إلى اختيار أجمل القطع لابنتها وشرائها ولو بالأقساط أو بيع ما تجود به الأرض من خيرات “زيت الزيتون، التين المجفف، القمح والشعير”، من أجل التمكّن من الحصول على هذه الحلي، وفي بعض الأحيان تكون دون علم رجال العائلة، ولكن الهدف الأهم من كل هذا هو تمكين الفتاة من امتلاك بعض القطع الفضية على الأقل، خاصة إذا كان في المنزل اكثر من فتاة، فإن الأم تقوم باقتناء قطع فضية على حسب عددهن، على أن تقوم بتقديم قطعة واحدة لكل فتاة، كتذكار من والدتها، حيث تتحوّل هذه الحلي مع مرور الزمن إلى كنز ثمين، تتوارثه البنت عن الأم ويبقى من بين الكنوز العائلية التي لا تقدّر بثمن ولا يتمّ بيعها، إلا إذا استدعت الحاجة لذلك أو مرت العائلة بظرف طارئ، فحينها فقط يتم الاستنجاد بهذه الحلي التقليدية.
رموز وألوان..
روعة التصاميم وخبرة الحرفيين في صناعة أجمل الحلي والمجوهرات المرصّعة بالمرجان، سمحت بميلاد ثقافة وموروث ثقافي يضاهي ثقافات العالم، فهي ليست مجرد حلي للجمال والتفاخر وإنما لغة صامتة تحاكي الواقع بأجمل الصور، فكل شكل أو تصميم من الحلي يروي قصة أو حكاية فتاة، تختصر تفاصيل يومياتها بين جدران منزلها بمجرد النظر إلى الجوهرة التي ترتديها وتزين لباسها التقليدي، وهذا ما أكده الحرفي عز الدين عباد، من آث يني، والذي أشار إلى أن كل جوهرة تحمل معنى وتشير إلى الوضع الاجتماعي للمرأة، هذه الرمزية والمعاني، نجدها جليا في تصاميم المجوهرات، وبمجرد النظر إليها، تستقرئ حياة ويوميات المرأة، وقد سلّط محدثنا الضوء على بعض المجوهرات التي تحوز عليها الفتاة مثل جوهرة “الحرز” وهي عبارة عن طوق بوجهين وتختلف فيه عدد قطع المرجان المضافة إليها، وحتى شكل الزخرفة التي تضاف إليها، وهذه الجوهرة التقليدية يجب أن تأخذها العروس إلى بيت الزوجية وتتزين بها في المناسبات، حيث تضع داخلها مصحفا صغيرا، إلا أن هناك فرق كبير بين جوهرة “الحرز” الذي تقتنيه الفتاة الغنية والفتاة الفقيرة، وذلك في عدد القطع التي توضع لها من قطعة واحدة إلى أكثر، وهذا حسب القدرة الشرائية لعائلة الفتاة.
زينة المرأة القبائلية
وتزخر منطقة القبائل خاصة اث يني التي تعرف بعاصمة الفضة، بامتياز بالعديد من الحلي والمجوهرات الفضية، والتي تمثل هوية ونمط معيشة النسوة في المنطقة، حيث تتفاخر المرأة بارتداء ما يعرف بـ«ابزيم” على صدرها أو رأسها للإعلان عن وجود فرح في منزلها، أو أنها أنجبت مولودا ذكرا، أو حتى حفلة ختان طفلها، إلى جانب ارتدائه خلال مراسيم الحنة في العرس. كل هذه المناسبات تستوجب على المرأة ارتداء هذه الجوهرة الثمينة التي تدل على المكانة المرموقة للمرأة، ومن خلالها يعرف الوضع الاجتماعي لها، ناهيك عن ارتداء الخلخال في رجل العروس أو المرأة، هذا الأخير لا يكون متاحا لجميع الفتيات لغلاء سعره وتتحصل عليه فقط العائلات الثرية بالمنطقة.
أقراط مختلفة الشكل، خواتيم مرصعة بالألوان والمرجان، والتي تتماشى جليا مع شكل الطوق، دبابيس فضية متعدّدة القطع، هي مجوهرات تتزين بها المرأة في منطقة القبائل، ولا يمكنها الاستغناء عنها بأي شكل من الأشكال، كيف لا وهي الرابط الذي يصلها بذكريات طفولتها وعائلتها، والذي يمتد بعد ذلك إلى بناتها، وهو ما حوّل المجوهرات الفضية إلى موروث ثقافي يحاكي هوية وأصالة منطقة القبائل.
محدثنا أكد أنه في الوقت الحالي تغيرت التصاميم وفق الزخم الحضاري الذي عصف بالمنطقة، لهذا يتماشون مع متطلبات الجيل الحالي الذي يفضل الاكسسوارات والمجوهرات البسيطة، لهذا ظهرت تصاميم جديدة عصرية بصبغة تقليدية، وهي مجوهرات خفيفة يقول: “بالمقارنة مع المجوهرات التي كانت تصنع في الماضي، وهذا بسبب نقص وغلاء المادة الأولية، إلا أنهم كحرفيين ما يزالون متمسكون بهذه الحرفة التقليدية التي تعود إلى عهد الأسلاف”.
تقاليد راسخة..
صناعة الفضة اليوم وبعد مضي قرون عديدة على تواجد هذه الحرفة اليدوية والتقليدية، ما تزال تحافظ على مكانتها ونمطها التقليدي رغم العصرنة والزخم الحضاري، الذي ساهم في تغير وتجدّد المخيلة الفنية لحرفيي وصانعي هذه الحلي، والذين أوجدوا لأنفسهم فضاء جديدا لصناعة هذه المجوهرات التقليدية بلمسات عصرية، أنعشت من رواجها وسط المصوغات والاكسسوارات الأخرى، وحافظت على بقاء المورث الثقافي الذي يعتبر هوية وأصالة منطقة القبائل وزينة نسائها.







