إصلاحـات هيكليــة تحقـق قفــزة نوعيــــة للصـادرات الجزائريـــة
أكد الخبير الاقتصادي حاكمي بوحوص، أن ما تعيشه الجزائر اليوم من خلال تحسن مسار الصادرات ونموها بشكل لافت ناهز نسبة 16 بالمائة، يعد بداية تحول نوعي في معركة بناء اقتصاد قوي وراسخ، حيث انتقلت الجزائر إلى مرحلة الإنتاج بجودة وتنافسية ومركزة على التموقع الجيد في الأسواق الخارجية، ويرى أن هذا المسار يعكس وعيا متزايدا بضرورة بناء قوة تصديرية حقيقية، تقوم على تثمين القدرات المحلية، وتحرير المبادرة الاقتصادية، وربط النمو الداخلي بآفاق التوسع الخارجي.
قدم أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة وهران حاكمي بوحفص، عرضا ثريا شرح فيه العوامل التي جعلت مسار الصادرات ينتعش، بداية بالرؤية الاقتصادية الجديدة المركزة جهودها على رفع حجم الصادرات خارج المحروقات، كما أنها سعت إلى إعادة تشكيل بيئة التصدير، من خلال تحسين تنافسية المنتج الوطني، وتوسيع قاعدة المؤسسات المصدرة، وفتح قنوات جديدة نحو الأسواق الخارجية. ويعتبر الخبير الاقتصادي أن هذه الديناميكية، المدعومة بإصلاحات هيكلية وإرادة سياسية واضحة، تمثل نقطة انطلاق فعلية نحو اقتصاد أكثر توازنا واستدامة، قادر على فرض حضوره خارج حدوده التقليدية.
ثمـــرة جهـــود قويــــة
واعتبر الخبير بوحفص أن الجزائر انطلقت بسرعة وثقة وفعالية في تثبيت أهدافها الاقتصادية وتجسيد خارطتها التنموية، وأشار إلى أن التحولات التي شهدتها الجزائر منذ عام 2020 تعكس بوضوح تجسيد رؤية إستراتيجية للتنويع الاقتصادي، تقودها ديناميكية جديدة لقطاع التجارة، وقد تجلى ذلك في إعادة هيكلة الإطار المؤسساتي من خلال استحداث وزارة التجارة وترقية الصادرات، في خطوة تعكس التوجه نحو جعل التصدير خارج المحروقات أولوية وطنية.
وفي هذا الإطار، نجحت السلطات العمومية، بالتنسيق مع وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، في تحقيق مستوى صادرات خارجية بلغ نحو 7 مليارات دولار خلال سنة 2023، وبلوغ هدف 10 مليارات دولار في المدى القريب.
وفي قراءته لمسار هذا التطور التاريخي الهام، أكد بوحفص أن هذه النتائج ثمرة جهود مكثفة، شملت إحصاءً دقيقا للمنتجات القابلة للتصدير، والعمل على تأهيلها وفق المعايير الدولية، من حيث الجودة، وشهادات المطابقة، وقواعد المنشأ، والتركيبة الكيميائية، وتاريخ الصلاحية. كما ساهمت المبادرات الرامية إلى الترويج للمنتوج الوطني، عبر تنظيم التظاهرات الاقتصادية الكبرى والمشاركة في المعارض الدولية، على غرار معرض التجارة البينية الإفريقية، في فتح أسواق جديدة، خاصة في القارة الإفريقية، إلى جانب تعزيز حضور المتعاملين الاقتصاديين في فضاءات التبادل التجاري العالمي.
وشدد الخبير بوحفص على أن هذا المسار التصاعدي تجسد على ضوء الإصلاحات التشريعية والتنظيمية التي أطلقتها الدولة، وعلى رأسها قانون الاستثمار لعام 2022، إلى جانب جملة من التدابير التحفيزية، مثل تحمل جزء من تكاليف النقل، وتقديم تسهيلات لوجستية ومرافقة للمصدرين، مدعومة بإرادة سياسية قوية لتشجيع التصدير. وقد انعكس ذلك بشكل غيجابي على الأداء، حيث سجلت الصادرات نموا محسوسا خلال الثلاثي الأول من السنة الجارية بنسبة قاربت 16 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
بيئـــة تصديريـــة ملائمــــــة
ويرى بوحفص أن هذا الأداء مرشح للاستمرار، مدفوعا بانتعاش القطاعات الرئيسية، وعلى رأسها الفلاحة والصناعة والخدمات، إلى جانب انخراط متزايد لرجال الأعمال والمؤسسات الوطنية، العمومية والخاصة، التي راهنت على قدرات البلاد، واستثمرت في تحسين جودة منتجاتها ورفع تنافسيتها وفق المعايير العالمية، كما تواصل وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات دورها في مرافقة هذه الديناميكية، من خلال توفير بيئة تصديرية ملائمة وتعزيز حضور المنتج الجزائري في مختلف التظاهرات الاقتصادية الدولية.
وفي ظل هذه المعطيات، أوضح الخبير أن هناك إرادة قوية لرفع قيمة الصادرات خارج المحروقات، وجعلها مصدرا أساسيا لجلب العملة الصعبة وتنويع الدخل الوطني، بما يساهم في التحرر التدريجي من التبعية للموارد الطاقوية، والمسار الذي انتهجته الجزائر يؤسس لبناء اقتصاد متين، قائم على الإنتاج والتنافسية، ومدعوم بقطاع خاص واعد، وتوجه متزايد نحو اعتماد التكنولوجيا والابتكار والتحول الرقمي كرافعة أساسية للإقلاع الاقتصادي. في وقت تواصل فيه الجزائر رسم ملامح نموذج اقتصادي جديد، يرتكز على استدامة النمو وتنويع مصادره، بعيدا عن الارتهان للمحروقات، في اتجاه تحقيق مؤشرات اقتصادية كلية إيجابية، والاقتراب بثبات من مصاف الاقتصادات الناشئة.
وأنهى الخبير تحليله بالقول إن التحول الذي تشهده الجزائر في مجال الصادرات يعكس بروز ملامح مرحلة اقتصادية تتشكل بهدوء وثبات. وبفضل تراكم الإصلاحات، وتنامي الخبرة المؤسساتية، وتوسع قاعدة المتعاملين الاقتصاديين، سيترسخ اقتصاد أكثر انفتاحا وتنوعا وقوة، وراهن على تدفق المنتوج الجزائري على المزيد من الأسواق الجديدة منها الإفريقية والأوروبية وكذا الأسيوية.





