لازال التوتر سيّد الموقف في دولة مالي، التي تعيش واحدة من أخطر أزماتها الأمنية، حيث أكّدت الأنباء، فجر أمس الثلاثاء، سماع دويّ ثلاثة انفجارات كبيرة أعقبها إطلاق نار كثيف في محيط مطار سيني الدولي في العاصمة باماكو، مع رصد تحليق مروحيات وطائرات مسيّرة بشكل مكثّف.
يحيط الغموض حتى الآن بمصير رئيس السلطة العسكرية الانقلابية، أسيمي غويتا، الذي لم يظهر منذ هجمات، السبت الماضي، كما تتزايد حدّة المخاوف من الانزلاق الأمني الخطير الذي تشهده مالي رغم تطمينات الوزير الأول، عبد الله مايغا، الذي قال، الإثنين، بأنّ الجيش يعمل على احتواء الوضع.
في ظل هذا المشهد الدراماتيكي، يحذّر الخبراء من اقتراب التهديدات في مالي من مركز الحكم، وذلك في ظل التغيير المفاجئ على الأرض.
يرى الخبراء أنّ الهجمات في مالي لم تعد مقتصرة على مناطق الأطراف والهامش، بل بدأت تقترب بشكل مباشر من مركز الحكم في العاصمة باماكو، في تطور ينذر بإعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي في البلاد، ويفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا على مستوى منطقة الساحل بأكملها.
تهديــــــد بنيـــــة السلطــــــة
في السياق، قال خبراء أمنيون، «إنّ الهجمات الأخيرة في مالي لم تعد مجرّد عمليات معزولة في الشمال أو الوسط، بل تعكس انتقالًا نوعيًا في مسار الصراع نحو استهداف قلب الدولة».
كما أوضحوا أنّ الهجمات المنسّقة التي طالت مواقع استراتيجية واغتيال وزير الدفاع داخل العاصمة، تؤكّد بأنّ الجماعات الإرهابية باتت تمتلك القدرة ليس فقط على السيطرة في الأطراف، بل على تهديد بنية السلطة نفسها. ورأوا بأنّ التحول يعكس تطورًا في تكتيكات الجماعات الإرهابية، التي لم تعد تكتفي بإضعاف الدولة من الهوامش، بل تسعى إلى فرض معادلة جديدة عبر ضرب مركز القرار.
كما قالوا بأنّ ما يحدث في مالي يمثل «انتقالًا واضحًا من صراع جغرافي محدود إلى صراع سياسي مباشر على السلطة»، مشيرين إلى أنّ استهداف العاصمة يعكس رغبة الإرهابيين في إعادة رسم موازين القوة داخل الدولة، وليس فقط خارجها. وأوضحوا أنه لا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن السياق الأوسع الذي تعيشه مالي، حيث تتقاطع عدة مستويات من الصراع في وقت واحد، فإلى جانب الجماعات الإرهابية المرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و»داعش»، هناك حركات مسلّحة في الشمال، فضلًا عن حسابات دولية متزايدة الحضور، خاصة مع تغير طبيعة التحالفات الخارجية لباماكو.
الساحــــل فـــــي وجـــــــــــه الإعصـــــــــار
توقّف أكاديميون عند تداعيات التدهور الأمني في مالي على باقي دول الساحل، وأوضحوا بأنّ القلق يزداد مع اتساع رقعة عدم الاستقرار إلى منطقة الساحل، حيث تواجه دول مجاورة تحديات مشابهة، في ظل تصاعد نشاط الجماعات الإرهابية وتراجع فعالية المقاربات الأمنية التقليدية.
رأى الأكاديميون بأنّ هذا الترابط الإقليمي يعزّز المخاوف من انتقال العدوى الأمنية، ويجعل من مالي نقطة ارتكاز في معادلة أمنية هشّة تمتد عبر الحدود.
سيناريوهــــــات مستقبليـــــــــة
في الأثناء، وضع مراقبون سياسيون جملة من السيناريوهات لما بعد هذه الانتكاسة الأمنية الكبيرة التي تشهدها دولة مالي، وتتمثل أولى هذه السيناريوهات في بقاء السلطة الانقلابية بقيادة أسيمي غويتا، رغم الضربات التي تعرّضت لها مؤسّسات الدولة، غير أنّ هذا البقاء سيكون مصحوباً بضعف متزايد، سواء على مستوى السيطرة الأمنية أو الشرعية السياسية. فالهجمات الأخيرة كشفت ثغرات في المنظومات الاستخباراتية والدفاعية، كما أنّ تنامي نشاط الجماعات الإرهابية، سيزيد من الضغط على النظام.
أمّا السيناريو الثاني، فيتعلق باحتمال حدوث انقلاب داخل المؤسّسة العسكرية، غير أنّ هذا الخيار، رغم ما قد يحمله من وعود بالاستقرار، يظل محفوفاً بمخاطر إدخال البلاد في دورة جديدة من عدم الاستقرار السياسي.
أمّا السيناريو الثالث، الأكثر خطورة والذي يتخوّف منه الجميع، فهو تمكّن الجماعات الإرهابية من توسيع نفوذها بشكل غير مسبوق، مستفيدة من ضعف الدولة وتفكّك التحالفات المحلية. وفي ظل هذه السيناريوهات، يتّضح أنّ مالي تقف عند مفترق طرق حاسم.

