أســواق المواشـي.. فضــاءات نابضـة بالحياة وحركية تجارية متصاعــدة
تعيش المدن الجزائرية، هذه الأيام، على وقع تغيّر جذري في الملامح بشكل مُلفت، حيث دخلت الأسواق في حركية استثنائية هي ميزتها مع اقتراب موسم العيد، في مشهد اعتيادي يحمل في طياته الكثير من التفاصيل التي لا تُخطئها العين، وتتفاعل معها الأجهزة الأمنية والإدارية بكل احترافية، فالأيام الثلاثة الأخيرة قبل عيد الأضحى في الجزائر، تشكّل مزيجاً متناغماً من الطقوس الاجتماعية، وفسيفساء متكاملة من التدابير الاحترازية التي تهدف إلى تأمين المواطنين خلال هذه الفترة.
تتزامن رحلة البحث عن أضحية العيد مع استعادة الأسواق لعافيتها بعد ركود مؤقّت، فمعاني عيد الأضحى في الجزائر لا تتوقّف عند الأضاحي فحسب، بل تمتد لتشمل مجموعة من العناصر الأخرى التي تُضفي على هذه المناسبة رونقها وبهجتها في المجتمع الجزائري، فتستعيد الشوارع حيويتها المعتادة مع اقتراب العيد في مشهد يعكس ارتباط الجزائريين بعاداتهم الاجتماعية ومناسكهم الدينية رغم تغيّر أنماط الحياة.
قدسية عيد الأضحى ومكانته لدى الجزائريّين، دفعت العديد من العائلات إلى تخصيص حيّز أكبر من يومياتها لاقتناء مستلزمات العيد، من ملابس وأحذية وغيرها، خاصة مع تزامن العيد مع بداية العطلة الصيفية والظروف المناخية المعتدلة التي شجّعت العائلات على التجوّل بحرية في الأسواق.
وتذهب بعض العائلات إلى أبعد من ذلك، حيث تعمد إلى استغلال فترة عيد الأضحى لتغيير فراش المنزل وربطه بمناسبات اجتماعية مهمة كالختان والخطوبة، في مشهد يعكس المكانة العالية التي يحظى بها عيد الأضحى في قلوب الجزائريين.
في المقابل، تتحوّل الأيام التي تسبق عيد الأضحى إلى مناسبة للإقبال على أسواق الخضر والفواكه واقتناء المستلزمات المنوعة، كما تحرص العائلات على تهيئة أجواء العيد بتحضير أدوات الذبح وتهيئة البيوت تعظيماً لهذه الشريعة، من خلال شراء الفحم والبخور والانخراط في حملات تنظيف المنازل والساحات العمومية، في مشهد تختلط فيه أهمية المناسبة الدينية بالفرح الشعبي، وتسترجع فيه الأحياء الشعبية والأسواق الأسبوعية تلك الحيوية المرتبطة بالمناسبات الدينية.
ومع اقتراب عيد الأضحى كذلك، تتعدّد المبادرات الخيرية التي ترتفع وتيرتها، حيث يبرز الروح الجماعي الذي يتجلى في التضامن والتكافل الاجتماعي، وفضائل التعاون التي تطبع المجتمع الجزائري، إذ تنشط بعض الجمعيات الخيرية في مجال جمع الأضاحي وتوزيعها على المعوزين والأرامل، فيما تحرص جمعيات أخرى على توزيع كسوة العيد على الأيتام والعائلات المحتاجة، وهي أنشطة آخذة في الانتشار عاماً بعد عام عبر كامل التراب الوطني، مدفوعةً في ذلك بتنامي الحس الإنساني وإقبال رجال الأعمال الجزائريين على البذل والعطاء.
هذه المبادرات الإنسانية جعلت من مواقع التواصل الاجتماعي فضاءً خصباً للانتعاش والانتشار بين المواطنين، حيث شكّل العالم الرقمي حافزاً لإطلاق حملات التكافل والتبرع، سواء من خلال المساهمة في شراء الأضاحي أو توجيه الجمعيات والمحسنين الى الأسر المعوزة، وإنشاء جسر للتواصل بين المساهمين والمحتاجين، وهو ما ساهم في اختصار الوقت والمسافات من أجل تجسيد قيم التراحم والتآزر التي لطالما ميّزت المجتمع الجزائري، وجعلت من عيد الأضحى مناسبة تتجاوز بعدها الديني لتصبح موسماً للخير وإحياء معاني الإنسانية.
وبالتوازي مع ذلك، تشهد الأسواق الأسبوعية ونقاط بيع المواشي حركية كبيرة تجعل منها فضاءات نابضة بالحياة، تمتزج فيها أحاديث المواطنين بأصوات الباعة، في حين يحرص بعض الأولياء على اصطحاب أبنائهم إلى “طقوس اختيار الأضحية” في تقليد اجتماعي يزيد من تمسك الأطفال بهذه الشعيرة، ويزرع في نفوسهم قيم المشاركة الاجتماعية والمساهمة في اتخاذ القرار، فضلاً عما تشهده محلات التوابل والفحم وأدوات الشواء، التي تشهد هي الأخرى إقبالاً ملحوظاً هذه الفترة بالتزامن مع استعداد العائلات لقضاء عيد الأضحى.
وفي السياق ذاته، تأخذ المصالح الفلاحية ممثلةً في مصالح البيطرة مسلكا متفرّدا في التحضير لعيد الأضحى، فبعيداً عن أسواق الملابس والأحذية، يتجنّد البياطرة العامون والخواص لمراقبة أسواق المواشي لحظةً بلحظة، ومتابعة نقاط بيع الأضاحي بصفة دورية تحسّباً لأي طارئ، وهي العملية التي تتابعها السلطات المركزية نظراً لأهميتها وعلاقتها المباشرة بصحة المواطنين، ما دفعها إلى تسخير ترسانة بشرية هائلة لتأمين المواطنين قبل، أثناء وبعد عيد الأضحى.
تأتي مجهودات المصالح البيطرية تزامناً مع تكثيف خرجاتها الميدانية نحو نقاط بيع الأضاحي والمستثمرات الفلاحية من أجل مراقبة الوضع الصحي لقطعان المواشي المعروضة للبيع، والتأكّد من سلامتها ومطابقتها للمعايير الصحية المعمول بها، إلى جانب توفير مداومات بيطرية قصد التدخّل السريع لمجابهة أي طارئ.




