كليبـي لـ«الشعب»: منظومة قويـة تضمن توفير الـعـلاج بصـورة منتظـمــة
في خطوة تعكس المكانة المتنامية التي باتت تحتلها الجزائر في مجال الصناعة الصيدلانية، استقبل وزير الصناعة الصيدلانية، الدكتور وسيم قويدري، المديرة العامة للوكالة الدولية لبحوث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية، البروفيسور إليزابيث وايدرباس، على هامش أشغال الملتقى الدولي للبحث في السرطان المنعقد بالجزائر.
يأتي اللقاء في ظرف تشهد فيه الجزائر حركية متسارعة لتطوير الصناعة الصيدلانية، لاسيما في مجال إنتاج الأدوية المضادة للسرطان، ضمن رؤية وطنية ترمي إلى تحقيق السيادة الصحية وتقليص التبعية للخارج في توفير الأدوية الاستراتيجية.
وفي هذا الصدد، أوضح المختص في القطاع الصّحي، بدر الدين كليبي، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ السرطان يعد من أبرز التحديات الصحية التي تواجه العالم، حيث تسجّل سنويا ملايين الإصابات الجديدة وملايين الوفيات. وفي الجزائر، يمثل هذا المرض أحد أهم الانشغالات الصحية بالنظر إلى تزايد عدد الحالات المسجّلة سنويا، وهو ما دفع السلطات العمومية إلى اعتماد مقاربة شاملة تجمع بين الوقاية والكشف المبكّر والعلاج، إلى جانب دعم البحث العلمي.
وأضاف أنّ الجزائر تحوّلت خلال السنوات الأخيرة، من مجرّد سوق مستوردة للأدوية إلى قاعدة صناعية تعمل على إنتاج عدد متزايد من الأدوية محليا، بما فيها الأدوية الموجّهة لعلاج الأمراض المزمنة والثقيلة، وفي مقدّمتها السرطان. وأكّد أنّ هذا التحول يجسّد الجهود المبذولة لتعزيز السيادة الصحية الوطنية وتقليص التبعية للاستيراد.
وأشار كليبي إلى أنّ التحول الذي تشهده الصناعة الصيدلانية لا يهدف فقط إلى تخفيض فاتورة استيراد الأدوية، وإنما يتّجه أيضا نحو بناء منظومة صحية قوية تضمن توفير العلاج بصورة منتظمة وتعزّز الأمن الصحي للمواطنين. وأبرز أنّ التجارب الدولية أثبتت أنّ الدول التي تمتلك صناعة دوائية متطورة تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات الصّحية وحالات الطوارئ.
وأوضح أنّ الاستثمارات المنجزة خلال السنوات الماضية، أسهمت في إنشاء وحدات إنتاج متخصّصة في تصنيع الأدوية المضادة للسرطان وفق المعايير الدولية، الأمر الذي وسّع العرض المحلي، وحسّن فرص حصول المرضى على العلاج داخل الوطن.
ويرى المتحدث أنّ الانتقال من مرحلة استيراد الدواء إلى مرحلة إنتاجه محليا يمثل نقلة نوعية في مسار بناء السيادة الصحية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأدوية عالية التقنية والتكلفة، مثل الأدوية المضادة للسرطان. كما يساهم هذا التوجه في تعزيز الاكتفاء الوطني وتقريب العلاج من المرضى وضمان توفّره بصورة أفضل.
وأكّد كليبي أنّ اللقاء الذي جمع مسؤولي الجزائر بالوكالة الدولية لبحوث السرطان يتجاوز طابعه البروتوكولي، ويحمل أبعادا استراتيجية مهمة، باعتبار أنّ الوكالة تعد من أبرز المؤسّسات العلمية العالمية المتخصّصة في دراسة مسبّبات السرطان، وتطوير آليات الوقاية منه، ومرافقة برامج البحث العلمي والتجارب السريرية عبر مختلف دول العالم.
وأضاف أنّ التعاون مع هذه الهيئة الدولية من شأنه أن يفتح أمام الجزائر آفاقا جديدة في مجالات البحث والتطوير، ونقل الخبرات، والتكوين المتخصّص، فضلا عن دعم مشاريع الابتكار العلمي المرتبطة بالأدوية والتقنيات العلاجية الحديثة. كما يمنح الباحثين الجزائريّين فرصا أوسع للاندماج في الشبكات العلمية الدولية والاستفادة من أحدث الدراسات والتجارب في مجال علاج السرطان والوقاية منه.
ولفت المتحدث إلى أنّ إشادة المديرة العامة للوكالة الدولية لبحوث السرطان بالجهود التي تبذلها الجزائر لتطوير الصناعة الصيدلانية وتعزيز إنتاج الأدوية المضادة للسرطان تكتسي أهمية خاصة، كونها صادرة عن مؤسّسة علمية دولية مرجعية تتابع واقع مكافحة السرطان عبر مختلف دول العالم.
وأضاف أنّ هذا الاعتراف الدولي يعكس النتائج الملموسة التي حقّقتها الجزائر في مجال صناعة الأدوية، ويؤكّد أنّ الخيارات الاستراتيجية المعتمدة خلال السنوات الأخيرة بدأت تترجم إلى مؤشّرات إيجابية على أرض الواقع، من خلال تعزيز الإنتاج المحلي وتوسيع قدرات التصنيع، بما يدعم الأمن الصّحي الوطني ويقلّص الاعتماد على الاستيراد.
وتابع كليبي قائلا: «رغم الأهمية الاقتصادية التي تحقّقها الصناعة الصيدلانية من خلال تقليص الواردات، وخلق مناصب الشغل، وتشجيع الاستثمار، فإنّ البعد الإنساني يظل جوهر هذا المسار، لأنّ كل دواء يتم إنتاجه محليا يمثل فرصة إضافية لمريض يحتاج إلى العلاج، ويساهم في الحدّ من مخاطر الندرة والانقطاع، ويعزّز استقرار المنظومة الصحية الوطنية».
وأضاف أنّ تطوير الأبحاث المتعلقة بالسرطان يساهم في تحسين فرص التشخيص المبكّر والعلاج الفعّال، وهو ما ينعكس مباشرة على صحة المواطنين وجودة حياتهم، كما يُسهم في رفع نسب الشفاء وتحسين مؤشّرات الصحة العمومية.
وأكّد كليبي أنّ المؤشّرات الحالية تدل على أنّ الجزائر تتجه بخطوات متسارعة نحو تعزيز مكانتها كفاعل إقليمي في مجال الصناعة الصيدلانية، مستفيدة من كفاءاتها البشرية والعلمية، ومن البنية الصناعية التي تمّ تطويرها خلال السنوات الأخيرة. وأضاف أنّ هذا التقدّم يساهم في تعزيز الإنتاج المحلي، وتقليص التبعية للاستيراد، ويفتح آفاقا واعدة لتصدير المنتجات الصيدلانية إلى الأسواق الخارجية.
وختم المتحدث بالتأكيد على أنّ تنامي الشراكات الدولية، واتساع مشاريع الإنتاج والبحث العلمي، يضعان الجزائر أمام فرصة حقيقية للتحوّل إلى مركز إقليمي لإنتاج الأدوية وتطوير الحلول العلاجية المبتكرة، خاصة في المجالات ذات الأولوية الصحية، وفي مقدمتها مكافحة السرطان.
ويشكّل اللقاء الذي جمع وزير الصناعة الصيدلانية بالمديرة العامة للوكالة الدولية لبحوث السرطان، محطة جديدة في مسار تطوير المنظومة الصحية الوطنية، ويؤكّد توجّه الجزائر نحو ترسيخ الرهان على البحث العلمي والابتكار والإنتاج الوطني لبناء منظومة صحية أكثر قوة واستدامة، قادرة على مواكبة التحديات الصحية الراهنة والمستقبلية، وتوفير رعاية أفضل للمواطنين.



