يرحل الرجال، لكن تبقى مواقفهم حيّة في وجدان من عرفهم، وتبقى سيرتهم شاهدة على زمنٍ من التضحية والعطاء. وبرحيل القائد الوطني الفتحاوي ماهر عبد الكريم يونس، لا يترجل أسيرٌ محرر فحسب، بل تغيب قامة وطنية وإنسانية حملت همّ الأسرى والوطن على مدى عقود، وظلّت وفية لفكرة الوحدة الوطنية حتى آخر أيامها.
ولد ماهر يونس في قرية عرعرة في وادي عارة يوم التاسع من جانفي عام 1958، وعاش حياته الأولى كأي شاب يحلم بالمستقبل، لكن الاحتلال اختطف أحلامه قبل أيام من زفافه، حين اعتُقل في الثامن عشر من جانفي عام 1983، ليبدأ رحلة من أصعب وأطول رحلات الأسر في التاريخ الفلسطيني. أربعون عامًا كاملة قضاها خلف القضبان، حُرم خلالها من الزواج، ومن بناء أسرة، ومن وداع والده وهو يحتضر، ومن أبسط حقوق الإنسان، لكنه لم يُحرم يومًا من إيمانه بقضيته، ولا من عزيمته، ولا من إنسانيته.
عرفته الحركة الأسيرة قائدًا حكيمًا، وصاحب كلمة جامعة، لا يفرّق بين أسير وآخر، ولا بين فصيل وآخر. كان من أكثر الداعين إلى الوحدة الوطنية، مؤمنًا بأن الأسرى كانوا وسيبقون عنوانًا لوحدة الشعب الفلسطيني، وأن الخلافات تزول أمام قضية الحرية.
وعلى الصعيد الشخصي، كان لي شرف التواصل معه بشكل دائم خلال سنوات اعتقاله. لم يكن حديثه عن نفسه، بل كان دائم السؤال عن الأسرى واحتياجاتهم. كان يعتبر خدمة الأسير واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا، فكان يسارع إلى تقديم المساعدة لكل من يحتاجها، سواء كانت دعمًا ماديًا، أو توفير علاج لمريض، أو المساهمة في تجهيز بيت لأسير محرر، أو الوقوف إلى جانب أسير يستعد للزواج. كان يشارك الجميع أفراحهم وآلامهم وكأنه بينهم، رغم أن جدران السجن كانت تفصل بينه وبين العالم. لقد كان حاضرًا في تفاصيل حياة الآخرين، بينما كان محرومًا من أبسط تفاصيل حياته الشخصية.
أما والدته، فقد كتبت معها الحياة مشهدًا آخر لا يقل وجعًا. أربعون عامًا وهي تجوب السجون، تحمل الأمل في كل زيارة، وتنتظر موعد الحرية كما ينتظر الغريق شاطئ النجاة. عاشت حتى استقبلت ابنها بعد تحرره، واحتضنته أخيرًا بعد أربعة عقود من الفراق، لكنها اليوم تقف أمام الفاجعة الأكبر، لتطبع قبلة الوداع الأخيرة على جبينه. يا لها من رحلة ثقيلة على قلب أمٍّ انتظرت أربعين عامًا لتفرح بابنها، فلم يمهلها القدر إلا قليلًا. نسأل الله أن يربط على قلبها، وأن يرزقها الصبر والسلوان.
تحرّر ماهر يونس في التاسع عشر من جانفي عام 2023، بعد أن أمضى كامل محكوميته البالغة أربعين عامًا، ليخرج مرفوع الرأس رغم كل محاولات الاحتلال سرقة فرحة الحرية. وبعد سنوات قليلة من نيلها، رحل في الخامس من جويلية 2026 إثر وعكة صحية، لكنه رحل تاركًا إرثًا كبيرًا من الصمود والعطاء والوفاء.
إنّ أمثال ماهر يونس لا يُقاسون بعدد سنوات الأسر فقط، بل بما تركوه في نفوس الناس من أثر. سيبقى اسمه محفورًا في قلوب وعقول كل من عاش تجربة الأسر، وكل من عرف أخلاقه وتواضعه وإنسانيته، وكل من التقى به أو سمع عنه. سيبقى رمزًا للصبر، وعنوانًا للوحدة الوطنية، وشاهدًا على أن السجون قد تقيد الجسد، لكنها لا تستطيع أن تكسر الإرادة، ولا أن تمنع الإنسان من أن يكون منارةً للخير والعطاء.
رحم الله القائد الوطني الفتحاوي ماهر يونس، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن فلسطين، وعن الحركة الأسيرة، وعن الأسرى وذويهم خير الجزاء. ستغيب الملامح، لكن المواقف لا تغيب، وسترحل الأجساد، لكن أصحاب الرسالات الصادقة يبقون خالدين في ذاكرة الوطن.






