ملاحــم استثنائيـــة لإخمـــاد الحرائـــق وإنقاذ الأرواح والممتلكات
المواطنون ينخرطون جماعيا في معركـــة الدفـــاع عـــن الوطـــن
قوافـــل الخـــير مــن قلــب الدخـان والنـيران..شعـب ودولـة لا يتخليان عـــن أبنائهـــم
جــذور الشهــداء لا تمــوت..وسيغـــــرس الجزائريــــــون مكــــان كــــل شجـرة آلاف الأشجـــار
وسط ألسنة اللهب التي اجتاحت عددًا من ولايات الوطن خلال الأيام الأخيرة، برزت بطولات إنسانية ووطنية جسدت أسمى معاني التضامن والتكافل بين الجزائريين، فقد توحدت جهود مؤسسات الدولة والمواطنين، وتحولت ميادين الحرائق إلى مشاهد نادرة للتلاحم الوطني، حيث لبّى الجميع نداء الأرض، مؤكدين أن قوة الجزائر تكمن في وحدة أبنائها وتكاتفهم كلما واجه الوطن محنة.
بينما كانت ألسنة اللهب تمتد عبر الغابات والمرتفعات في مشاهد أحرقت قلوب كل الوطنيين، برزت صور أخرى تصدرت المشهد؛ رجال الحماية المدنية يحملون الأطفال والشيوخ على ظهورهم هربًا من النيران، وجنود الجيش الوطني الشعبي يسابقون الزمن لإسناد عمليات الإطفاء، والطائرات ترسم في السماء جسورًا من الماء، وملايين المواطنين يقررون أن يكونوا جزءًا من معركة الدفاع عن الوطن.
في تلك اللحظات، اختفت الفوارق بين المواطنين، ولم يعد أحد يسأل عن هوية من يقف إلى جانبه، لأن الجميع كان يحمل هوية واحدة هي الجزائر. ووقفت الدولة بكل مؤسساتها، والمجتمع بكل فئاته، في خندق واحد لمواجهة خطر واحد.
أبطـــــال لا يعرفـون التراجــــــع
كان رجال الحماية المدنية في مقدمة الصفوف، ولساعات طويلة وأيام عصيبة، وفي درجات حرارة مرتفعة جدًا وغير مسبوقة، يخوضون معركة شرسة مع النيران، متنقلين بين الجبال والأودية والمسالك الوعرة، لا يحملون سوى عزيمتهم وإيمانهم بواجبهم.
ولم تكن الصور التي انتشرت من مواقع الحرائق بحاجة إلى تعليق؛ أعوان يحملون مسنين على ظهورهم، وينقلون أطفالًا إلى أماكن آمنة، ويواصلون عمليات الإطفاء رغم الإرهاق والدخان الكثيف. ورغم الإصابات المتفاوتة، فإنهم واجهوا عدوًا شرسًا لا يعرف الرحمة ولا التراجع. إنها مشاهد تختصر معنى التضحية، وتجسد الواجب
الذي أداه هؤلاء الرجال لحماية الأرواح مهما كانت الظروف.تدخل الجيش الوطني الشعبي بإمكاناته البشرية واللوجستية، حيث شاركت الوحدات البرية والجوية في دعم عمليات الإخماد والإجلاء، وساهمت الطائرات العسكرية في رمي كميات كبيرة من المياه على البؤر المشتعلة، خاصة في المناطق الوعرة التي يصعب الوصول إليها.
كما ساهمت مختلف الأسلاك الأمنية، من الدرك الوطني والأمن الوطني، في تأمين المناطق المتضررة، وتنظيم حركة المرور، وتسهيل وصول فرق التدخل، فيما واصل الهلال الأحمر الجزائري توزيع المساعدات والتكفل بالعائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها.
الأطفال.. أبطال صغار في معركة كبيرة
ومن أكثر المشاهد تأثيرًا تلك التي كان أبطالها أطفال الجزائر؛ صغار في السن، كبار في الإحساس بالمسؤولية. حملوا قنينات المياه وصعدوا بها نحو المرتفعات لإيصالها إلى رجال الحماية المدنية والمتطوعين الذين كانوا يواجهون النيران منذ ساعات طويلة. ولم يكن بإمكانهم حمل خراطيم الإطفاء، لكنهم حملوا ما استطاعوا من ماء ودعوات، ليؤكدوا أن الدفاع عن الوطن يرتبط بحب الأرض قبل أي شيء.
وفي الوقت الذي كانت فيه فرق التدخل تقاوم النيران، انطلقت قوافل الخير من مختلف المدن والقرى. وفي كل مدينة أو قرية شبت فيها الحرائق، تكفل المحسنون بإعداد الطعام لفائدة العائلات المتضررة، ولرجال الإطفاء والمتطوعين في الجبال والقرى والمداشر.
وعاد طبق الكسكسي إلى الواجهة، وهو الطبق الذي طالما أعدته حرائر الجزائر للمجاهدين أيام الثورة التحريرية المباركة. كما تنوعت الأطباق، وكانت الرسالة واحدة: أن يصل الغذاء إلى أعالي الجبال.
وبادر محسنون إلى توفير كميات معتبرة من الخبز والمياه والمشروبات الغازية لفائدة فرق التدخل والمتطوعين، في مبادرة إنسانية لاقت استحسانًا واسعًا. وزادها تأثيرًا تنقل شيوخ بإمكانات بسيطة لحمل الماء البارد، حيث أظهرت فيديوهات متداولة على نطاق واسع شيخًا يذرف الدموع ويقبل جبين رجال الحماية المدنية وهو يوزع الماء رفقة ولده.كما ساهم محسنون آخرون بتوزيع كميات كبيرة من الكمامات، إلى جانب مواد غذائية متنوعة وأدوية للمتضررين، في صورة تؤكد أن ثقافة التكافل ما تزال متجذرة في المجتمع الجزائري.
وتواصلت المبادرات، فتحولت مطابخ المنازل إلى ورشات لإعداد الوجبات، وخرجت النساء لتحضير الطعام وإرساله إلى رجال الإطفاء والمتطوعين الذين قضوا ساعات طويلة في الميدان، بينما تكفل شباب الأحياء بنقل المؤونة إلى المناطق المتضررة.
بطولات على سفوح الجبال
حتى أصحاب صهاريج نقل المياه لم يترددوا في الالتحاق بمواقع الحرائق، حيث وضعوا تجهيزاتهم تحت تصرف فرق الإطفاء للمساهمة في تزويدها بالمياه، خصوصًا في المناطق التي يصعب الوصول إليها.
كما فتحت مؤسسات، وفلاحون خواص، ومستثمرون إمكاناتهم وآلياتهم لدعم عمليات الإخماد، من جرافات وعتاد، في صورة تؤكد أن الوطن، عندما يكون في خطر، يصبح الجميع جنودًا في خدمته.وكان المواطن شريكًا حقيقيًا في هذه المعركة، فعلى سفوح الجبال اصطف المتطوعون حاملين أغصان الزيتون وأوراقه، والأدوات البسيطة مثل المجارف والمعاول، للمساهمة في محاصرة ألسنة اللهب بتوجيه من عناصر الحماية المدنية، في مشاهد أعادت إلى الأذهان صور التلاحم الشعبي التي عرفتها الجزائر في مختلف المحطات التاريخية.وفي كل مشهد وثقته الفيديوهات التي غصت بها مواقع التواصل الاجتماعي، كانت تصريحات المتطوعين تؤكد أن الجزائر التي قاومت في مختلف محطاتها التاريخية لا يمكن للنار أن تهزمها اليوم.
وظهر شباب وشيوخ ونساء، لم تمنعهم حرارة الطقس ولا وعورة التضاريس من الوقوف إلى جانب رجال الحماية المدنية، إيمانًا منهم بأن حماية الغابات مسؤولية الجميع.
وأثبتت هذه الحرائق مرة أخرى أن قوة الجزائر تكمن في وحدة شعبها وتكامل مؤسساتها. فقد شكلت الحماية المدنية، والجيش الوطني الشعبي، والدرك الوطني، والأمن الوطني، والهلال الأحمر الجزائري، وأعوان الغابات، والجماعات المحلية، والمتطوعون، منظومة واحدة تعمل بانسجام لحماية الأرواح والممتلكات والثروة الغابية.
رسالــــــة مـــن قلــــب النـــــار
بعيدًا عن مشاهد الدخان والنيران، قدم الجزائريون للعالم صورة شعب لا يتخلى عن أبنائه وقت الشدة، ولا يترك رجال الميدان وحدهم. وأثبتت قوافل الخير، والمبادرات الفردية، والحملات التطوعية، أن ثقافة التكافل جزء أصيل من الشخصية الجزائرية، يتجدد كلما واجه الوطن محنة.وقد خلّفت الحرائق خسائر في الغطاء النباتي والممتلكات، وكشفت في المقابل عن ثروة لا تقدر بثمن، هي الإنسان. كما امتدت ملحمة مواجهة الحرائق إلى الفضاء الرقمي، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مساحة واسعة للتضامن والدعاء والإشادة بالجهود، وتداول ملايين الجزائريين صور رجال الحماية المدنية والجيش الوطني الشعبي والمتطوعين، مرفقة برسائل تؤكد أن المحن تزيد الجزائريين تلاحمًا.
وكتب أحد المعلقين: «حين اشتعلت النيران، لم يسأل أبناء الجزائر عن الأسماء ولا الجهات، بل سألوا: أين يحتاج الوطن إلينا؟»، بينما جاء في تعليق آخر: «قد تحترق الأشجار، لكن الجذور التي عانقت تراب الشهداء لا تموت… وسيغرس الجزائريون مكان كل شجرة آلاف الأشجار».وكتب آخر: «لقد ظن أعداؤنا أن المصائب تهوي بنا فيفرحون… والجزائريون ينهضون من تحت الرماد، والمصائب توّحدهم وتقويهم، فالجزائر ليست مجرد أرض، بل روح تسكن أبناءها، وعهد لا ينكسر، وراية ستظل ترفرف عالية مهما اشتدت الرياح».
وفي النهاية، ستنطفئ النيران، وستعود الغابات لتنبت من جديد، لكن الصور التي ستبقى خالدة هي صور رجال وشباب وأطفال ونساء حملوا أرواحهم على أكفهم، ولبوا نداء الوطن دون انتظار مقابل.



