المـــرأة بـين الانكســار والتحـرر.. حواريـة للكـلام المؤجـل في تجربـة متميـــــزة
آمــــال منيغاد: استلهمنــا لوركـــا في إعـــادة تبعــث الذاكـــــرة والوجــع الإنسانـــي
احتضن المسرح الوطني الجزائري “محي الدين باشطارزي” بالعاصمة، العرض الشرفي الأول للمسرحية الجديدة “كاتمة”، وسط حضور لافت لنخبة من الوجوه الثقافية والفنية وجمهور غصّت به القاعة العريقة، وقد جاء هذا العرض ليعلن عن ولادة تجربة مسرحية مغايرة، تحاول النبش في المسكوت عنه ومحاورة الذات الإنسانية في أقصى حالات انكسارها وتحررها.
عاش الجمهور الذي توافد بكثافة لحظات من الغوص العميق في ثنايا العرض، حيث ساد صمت مطبق في أرجاء القاعة، لم يكن صمتا عابرا بل هو ذلك الاستغراق الوجداني الذي ينمّ عن انغماس كلي في العمل، الذي تجسد بفضل أبطاله، واستطاع أن يشد الأنفاس ويسحب المتفرج إلى عالم داخلي مشحون بالتوتر، مما جعل الحضور يشعرون بكل تنهيدة وبكل حركة فوق الخشبة وكأنها صدى لأوجاعهم الخاصة، فلم يقتصر تفاعلهم على المتابعة البصرية، بل تجاوزها إلى مشاركة وجدانية وعاطفية حقيقية، حيث بدا الجمهور وكأنه يواجه مرآة تعكس خبايا النفوس وتجاعيد الذاكرة المنسية.
قـــــراءة لوركـــــا بـــــروح جزائـــــري
تعد مسرحية “كاتمة” أحدث الانتاجات الفنية للمسرح الوطني الجزائري محيي الدين بشطارزي، لعام 2026، وهي عمل درامي مقتبس من الكاتب الراحل علال المحب، عن النص العالمي الشهير “بيت برناردا ألبا” للشاعر الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا، أخرجته الفنانة آمال منيغاد، وجاء بدعم من الصندوق الوطني لتطوير الفنون والآداب، ليقدم رؤية مسرحية تعيد قراءة الصراع بين القهر والحرية بروح معاصرة.
وتجسّدت على الركح عوالم المسرحية من خلال أداء جماعي لنخبة من الممثلات، وهن نسرين بلحاج، سعاد جناتي، ليندة سلام، رجاء هواري، أسماء الشيخ، خديجة ميزيني، هاجر سيراوي، وكريمة نايت، وقد اكتملت الرؤية الفنية للعرض بتضافر جهود فريق تقني وإبداعي متميز، حيث صمم السينوغرافيا موسى نون، وصاغ الألحان الموسيقية حسان لعمامرة، بينما توّلت سمر بن داود الكوريغرافيا، بمساعدة في الإخراج من ليندة سلام ومحمد رباني.
وقالت الجهة المنتجة إن هذا العمل، الذي أشرف على إنتاجه محمد يحياوي، يهدف إلى تقديم تجربة بصرية وسمعية تعكس العمق النفسي والاجتماعي للشخصيات، مكرسا بذلك دور المسرح الوطني في ترقية الفنون الركحية الجزائرية.
بـــــين التقاليـــــد والرغبـــــة في الحريـــــة
وتروي “كاتمة” في جوهرها قصة نساء محاصرات داخل نظام من القواعد الصارمة، حيث يتحوّل البيت إلى فضاء يضيق بالروح بدل أن يكون ملاذا آمنا، هي حكاية عن الرغبة الجامحة في الحرية حين تصطدم بسلطة الأسرة الموروثة، وقيود التقاليد، والخوف المرضي من “نظرة المجتمع”، فالمسرحية لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تغوص في الطبقات العميقة من الألم المكتوم، والغيرة التي تأكل القلوب، والانتظار الذي لا ينتهي، لتفتح تساؤلات حارقة حول موقع المرأة، وحقها الأصيل في الاختيار، والثمن الباهظ الذي يدفعه الإنسان حين يصبح الصمت أسلوبا للحياة.
الصمـــــت المـــــوروث والكـــــلام المؤجـــــل
وفي حديثها عن خلفيات العمل، أوضحت مخرجة المسرحية لـ«الشعب” أنها اختارت عنوان “كاتمة” لأنه يلخص الحالة الشعورية والدرامية التي يقوم عليها العرض، فهي حالة من الصمت الموروث، والكلام المؤجل، والاختناق الداخلي داخل فضاء يبدو هادئا من الخارج لكنه ممتلئ بالتوتر من الداخل، مؤكدة أن العنوان ليس مجرّد اسم، بل هو مفتاح لقراءة المسرحية، يضع المتفرج مباشرة أمام عالم تظلّ فيه الأصوات غير مكتملة، وتبقى المشاعر محمولة في العمق أكثر مما تقال على السطح، مشيرة إلى أن العنوان يلمح أيضا إلى ذلك البيت المغلق الذي ورثناه من “بيت برناردا ألبا”، حيث يصبح الكتمان جزءا من إيقاع الحياة اليومية.
أما عن الفكرة المنطلقة منها، فقد أشارت المخرجة إلى أنها ترتكز على وضعية المرأة داخل بيت تحكمه الصرامة، حين يتحول المكان المألوف إلى مساحة تضيق فيها الأنفاس وتتعثر فيها الرغبات. المسرحية تنطلق من هذا التوتر بين ما يظهر للعيان وما يعيشه الداخل، وبين الهدوء الخارجي والحركة العاطفية العميقة تحت السطح، ليصبح العمل كله محاولة لفتح هذا الصمت، وكشف ما يخفيه من جراح وأسئلة ورغبة في الانعتاق.
وعن تعاملها مع النص الأصلي، أكدت المخرجة أنها لم تنظر إليه كنص جامد يجب نقله حرفيا، بل كنص حي يمكن أن يعبر إلى واقع آخر ويستعيد نبضه داخل السياق الجزائري. حيث اشتغلت على الحفاظ على الروح الدرامية العميقة للعمل، مع جعله يتنفس من خلال تفاصيل قريبة من بيئتنا، لغتنا، وحساسيتنا الاجتماعية.. وبالنسبة لها، فإن الاقتباس ليس تكرارا، بل هو إعادة خلق، لأن النص حين يمر عبر واقع جديد يكتسب أسئلة جديدة ويكشف وجوها أخرى من معناه.
وحول رسم ملامح الشخصيات، ذكرت المخرجة أن بطلات “كاتمة” هن نساء متعددات الملامح، فهي لم ترد لهن أن يظهرن كصور نمطية أو كضحايا فقط، فكل شخصية تحمل داخلها توترا خاصا، وجرحا مختلفا، وطريقة مغايرة في مواجهة الواقع أو التكيف معه أو الانكسار أمامه.
وشدّدت على أن ما يهمها في هذه الشخصيات هو إنسانيتها وعمقها، لإيمانها بأن المرأة على الخشبة يجب أن تُرى بوصفها كائنا معقدا، لا بوصفها وظيفة درامية فقط، ولذلك حرصت على أن تكون كل بطلة صوتا، وجسدا، وذاكرة في آن واحد.
مساحــة للتأمـــــل..
وفيما يخصّ الرسالة الفنية للعمل، أوضحت المخرجة أنها لم ترد لهذا العرض أن يكون مجرّد سرد لمأساة، بل مساحة للتأمل في معنى الصمت، وفيما يمكن أن يفعله الكبت حين يتراكم داخل الأفراد والعائلات.
فالرسالة تقول “هي أن الضيق لا يولد دائما من المشهد المباشر، بل أحيانا من العادات، والخوف، وتبرير الانغلاق باسم الحماية، مراهنة على أن العرض يثير نقاشا حول قضايا إنسانية مؤلمة، مثل سلطة التقاليد على الجسد الأنثوي، والحدود الفاصلة بين الانضباط والاختناق”.
وعلى المستوى الإخراجي والجمالي، كشفت المخرجة أن هاجسها الأساسي كان جعل المتفرج يشعر بالاختناق تدريجيا دون التصريح بذلك مباشرة، ولأجل ذلك اشتغلت على سينوغرافيا تشبه البيت الهش، وعلى فضاء بصري يختزل الحبس والانتظار.. أما مع الممثلين، فقد بحثت عن الأداء الداخلي، عن تلك الطاقة التي لا تصرخ دائما لكنها تترك أثرها في النظرة والوقفة والصمت. وفي الإيقاع، سعت إلى بناء تصاعد درامي يمر من السكون إلى الانفجار، إيمانا منها بأن أكثر اللحظات قوة هي التي تولد من التراكم لا من المفاجأة.
واختتمت المخرجة حديثها بالإعراب عن أملها في أن يغادر المتفرج القاعة وهو يشعر أن ما شاهده لم يكن حكاية بعيدة عنه، بل جزء من أسئلة يعيشها الإنسان كل يوم، متمنية أن يحمل معه شيئا من هذا الصمت الثقيل، ولكن أيضا شيئا من الرغبة في كسره. فإذا نجح العرض في أن يترك داخل المتفرج سؤالا صغيرا عن المرأة، والسلطة، والثمن الإنساني للكتمان، فإن ذلك ـ حسبها – هو أهم ما يمكن أن يحققه المسرح.






