تتأثر تنشئة الطفل الثقافية بمستوى تردّده على الفضاءات المخصصة له في المكتبات العمومية، حيث يكتسب المهارات الاجتماعية والمعرفية الأساسية في بيئة خصبة ومحفزة. ويتوقف نجاح هذا الرابط التفاعلي على كفاءة الأنشطة التعليمية وتطبيق أساليب تنشيط معاصرة تعتمد الوسائط السمعية والبصرية لتحفيز الخيال. غير أن جني هذه الثمار المعرفية يتطلّب مواجهة تحدياتٍ ميدانية عديدة، منها تراجع التكوين المتخصص، والفجوة الرقمية، وضعف الوعي الأسري بالمهام الحقيقية للمكتبة وفوائدها.
تشكل المكتبة العمومية ركيزة أساسية للتنمية الثقافية والفكرية للطفل، حيث تمثل أولى محطات رحلته المعرفية خارج أسوار المنزل والمدرسة. وتهدف فضاءات الطفولة في هذه المكتبات بالدرجة الأولى إلى غرس عادة القراءة وتطوير المهارات الحياتية والاجتماعية لدى الأطفال باختلاف فئاتهم العمرية.
وبفضل فضاء الطفل في المكتبة العمومية، تتحول القراءة بفعل المداومة من مجرد نشاط عابر إلى سلوك يومي ممتع ومستدام يرافق الطفل في مختلف مراحل نموه. ويسهم هذا الفضاء بشكل مباشر في بناء شخصية الطفل وصقل مواهبه، وتنمية قدراته الذهنية والإبداعية، وتوسيع مداركه الفكرية عبر مصادر معلومات موجهة تلبي احتياجاته.
كما تحقق المكتبة مبدأ العدالة الثقافية داخل المجتمع، إذ تتيح المعرفة والخدمات المكتبية لجميع الأطفال دون تمييز طبقي، أو عرقي، أو اجتماعي.
الأنشطة والخدمات المكتبية
تتيح المكتبة العمومية خدمة المطالعة المباشرة كأحد أبرز أنشطتها التقليدية، حيث يختار الأطفال القصص والكتب بحرية تامة من الرفوف المفتوحة، وهو ما ينمي لديهم مهارة الاعتماد على النفس في البحث عن المعرفة.
وإلى جانب القراءة، تنظم المكتبات الورشات التعليمية المتنوعة التي تشمل الرسم، والكتابة الإبداعية، والأشغال اليدوية، مستهدفة بذلك تحويل الأفكار المقروءة إلى ممارسات تطبيقية تنمي الذكاء الحركي.
وتدعّم المكتبة هذه الحركية بتقديم العروض الحية كالأناشيد والمسرح الموجه، بالإضافة إلى حصص الحكواتي التي تجذب الأطفال وتنمي قاموسهم اللغوي وقدراتهم التخيلية. وفي ذات السياق، تقيم المكتبات المسابقات الفكرية والتحديات القرائية الدورية، مكرمة المتفوقين والرواد المتميزين لتعزيز التنافس الإيجابي وحب الكتاب بين الأقران.
ثمانيـة محــاور أساسية
وفي دراسة علمية للموضوع، يرى محمد غربي (جامعة سيدي بلعباس) أن الخدمات المكتبية للأطفال تستهدف تسهيل استفادة الناشئة من الإرشاد والأنشطة الثقافية والفنية والترفيهية المتوفرة داخل المكتبة العمومية، بما يدعمهم في الارتقاء بقدراتهم الفكرية واكتساب المعارف بجهدهم الذاتي لتكوين خلفية معرفية شاملة عن بيئتهم. وتهتم المكتبة بتهيئة مناخ قرائي مرن منذ البداية يشجع الأطفال على استعارة الكتب بيسر وتمديد فتراتها، مراعاة للذين يواجهون صعوبات جغرافية أو لوجستية تمنعهم من التردد اليومي على المرفق الثقافي.
ووفقا للدكتور غربي، تتنوّع خدمات مكتبة الأطفال لتشمل ثمانية محاور أساسية، تنطلق من “التدريب على استخدام المكتبة”، حيث تهدف الإعارة إلى إكساب الأطفال مهارات تسجيل الكتب والبحث الذاتي في الفهارس والموسوعات والمعاجم، بجانب مهارات التعامل مع تكنولوجيا المعلومات كالحاسوب والإنترنت لتنمية ثقتهم بأنفسهم وقدراتهم الاجتماعية واللغوية.
وتأتي “خدمة الرد على الاستفسارات والأسئلة” لتلبي احتياجات الطفل وأولياء الأمور عبر مصادر المعلومات المطبوعة والإلكترونية، الأمر الذي يتطلّب في العاملين مرونة وذكاء مع اتصافهم بروح الأبوة والمرح، بالإضافة إلى حيازة مؤهلات فنية في علم المكتبات وعلم نفس الطفل لمواكبة التطورات المتلاحقة ودراسة الميول القرائية وأدب الأطفال.
وتتكامل الأهداف الاستراتيجية للمكتبة عبر “التربية والتعليم” الداعميْن لدور الأسرة والمدرسة بربط المناهج التعليمية بمصادر المكتبة وتشجيع الاعتماد على النفس، و«التثقيف” الذي يثري شخصية الطفل وقدراته العقلية والجمالية من خلال الندوات وأندية القراءة، مستعينا بالأنظمة الرقمية التي تفتح أمام الطلاب آفاق التفاعل وتبادل البيانات العلمية.
ويبرز دور “الإعلام” في تزويد الأفراد والمؤسسات بالمعلومات الجارية لزيادة الوعي الوطني، يرافقه هدف “حفظ التراث الوطني” لغرس القيم الروحية والإنسانية كالصدق والمسؤولية في نفوس الصغار بالقدوة والأساليب الفعالة.
ويختتم الباحث هذه الوظائف بـ«دعم العلاقات الاجتماعية” وغرس خصال التعاون والعمل بروح الفريق عبر البحث الجماعي ولجان المكتبة والمعارض والمسابقات، فضلا عن “استثمار أوقات الفراغ” بتقديم برامج ترفيهية هادفة كأفلام الكرتون الموجهة والألعاب التعليمية وبرامج القراءة الصيفية.
وتسهم هذه الأنشطة الترويجية في تيسير الوصول الحر للرفوف المفتوحة وتوفير فضاء هادئ يحفز على الإبداع ويحد من التسرب المدرسي، مع ملاحظة الباحث تفوق الإناث في الإقبال على المطالعة بهذه المرحلة العمرية لانشغال الذكور باللعب والرياضة ومقاهي الإنترنت.
أساليــب التنشيـط لتفعيـل الميـول ٫٠القرائيـة
بداية، يتطلّب تفعيل الميول القرائية توظيف أمين مكتبة متخصص، يمتلك دراية واسعة بسيكولوجية الطفولة والقدرة الإرشادية على توجيه سلوكيات الأطفال نحو المطالعة الشغوفة. ويعتمد نجاح المكتبة أيضا على تصميم برامج موجهة لجذب الموهوبين والمتميزين، وإلى جانب ذلك، يسهم التنشيط الثقافي المستمر في إحياء الفضاء المكتبي، بتحويله من مجرد مخزن رتيب للكتب إلى مركز حياة ثقافي نابض بالأنشطة التفاعلية.
وفي هذا السياق، يرى كل من نبيلة دغبوج (قسم علم المكتبات، جامعة تبسة) وعبد القادر مجناح (اللجنة الجزائرية للأرشيفيين والمكتبيين) أن مكتبة الطفل لم تعد تلك المؤسسة التقليدية التي تضمّ مجموعة كتب موضوعة على الأرفف، بل أصبحت مكتبة شاملة تضمّ مختلف الوسائل السمعية والبصرية، والأدوات التعليمية، والصور، والخرائط، والأفلام، والشرائح، والمجسمات، وأسطوانات الليزر. وأضحت بالمفهوم الحديث مركزا للإعلام والتعلم والتربية والتثقيف، يتيح فرص النمو المتكامل لكل طفل حسب قدراته واستعداداته. لذلك، فإن فكرة الاهتمام بعقل الطفل وتحويل طاقاته إلى جهود ذات منفعة تستلزم إيجاد أساليب غير تقليدية، تسهم في تغذية فكره، وتنمية عقله، وتنشيط خياله.
ويضيف الباحثان في دراستهما بأن التنشيط في مكتبات الأطفال هو كل ما يقوم به المكتبي من نشاطات داخل المكتبة ومحيطها، من أجل جذب أكبر عدد ممكن من المستفيدين قصد تشجيعهم على القراءة والمطالعة والاستخدام المستمر للمكتبة وموادها.
ومن أساليب التنشيط في مكتبات الأطفال، يذكر الباحثان “ساعة القصة” التي تعتبر من أقدم الأنشطة، و«مسرحة القصص” بمعنى إعدادها دراميا بشكل يسمح بتمثيلها، و«المحاضرات والندوات” لتنمية المعارف لدى الأطفال، و«المسابقات” في القراءة والتلخيص والبحوث والمقالات، و«معارض النشاط المكتبي” التي غالبا ما تكون للاحتفال بمناسبة ما.
تحديـات تواجـه علاقـة الطفـــل بالمكتبـة
في الأخير، وجبت الإشارة إلى مجموعة من التحديات تقف بين الطفل والمكتبة: يواجه تفعيل دور المكتبة تحدي ضعف الوعي الأسري، إذ يعزف الكثير من الأولياء عن مرافقة أبنائهم إلى هذه الفضاءات، وقد يؤدي هذا الأمر إلى حرمان الطفل من بيئة مشجعة خارج أوقات الدراسة.
ويضاف إلى ذلك الفهم الخاطئ لدور المكتبة من قِبل بعض الأولياء، الذين قد يطالبون هذا المرفق بتقمص أدوار الحضانة أو المدرسة وحصر وظيفته في رعاية الأطفال أو توفير كتب المناهج التعليمية فقط.
ومن جانب آخر، يمكن أن يعيق ضعف التسيير جودة الخدمات، نتيجة نقص الكفاءات المتخصصة المؤهلة للتعامل مع سيكولوجية الطفل وتوجيه ميوله القرائية بشكل علمي مدروس.
كما تبرز الفجوة الرقمية كعائق في وجه تفعيل دور المكتبة تجاه الأطفال، حيث تفتقر العديد من المكتبات التقليدية إلى دمج التكنولوجيا الحديثة والوسائط التفاعلية اللازمة لجذب جيل اليوم المرتبط بقوة بأدوات المعلوماتية.







