نظام وطني للمعلومات والإحصائيات الخاصة بالحوادث
أعاد حادث انقلاب حافلة نقل المسافرين بولاية بومرداس، التي كانت قادمة من ولاية سطيف، النقاش حول فعالية منظومة السلامة المرورية ومسؤولية مختلف الأطراف عن الحوادث القاتلة، وأسفر الحادث، وفق الحصيلة المعلنة من المديرية العامة للحماية المدنية، عن وفاة 28 شخصا وإصابة 36 آخرين، فيما تبقى أسباب الحادث وتحديد المسؤوليات من اختصاص التحقيقات التي باشرتها الجهات المعنية.
يعيد الحادث إلى الواجهة قانون المرور الجديد رقم 26-09، المؤرخ في 12 ماي 2026، والذي جاء ضمن مقاربة تسعى إلى تقليص الخسائر البشرية والمادية، من خلال الجمع بين الوقاية والرقابة والردع وتحديد مسؤولية كل طرف يتدخل في منظومة النقل وحركة المرور. ويتكون القانون من 190 مادة، ولا يقتصر على تنظيم سلوك السائق، بل يتناول أيضا سلامة المركبات، ونوعية التكوين، وحالة الطرق، والمراقبة التقنية، وجمع بيانات الحوادث ومعالجة النقاط الخطرة.
وتؤكد الأرقام أن حوادث المرور ما تزال تمثل تحديا كبيرا على المستوى الوطني، فقد سجلت الحماية المدنية خلال سنة 2025 أكثر من 82 ألف تدخل مرتبط بحوادث الطرق، تم خلالها إسعاف نحو 90 ألف مصاب، مع تسجيل 2066 وفاة. وفي المناطق الحضرية وحدها، أحصت المديرية العامة للأمن الوطني 842 وفاة وأكثر من 23 ألف مصاب خلال السنة نفسها. كما تشير حصائل الأمن الوطني إلى أن العامل البشري يتسبب في أكثر من 96 بالمائة من الحوادث المسجلة داخل مجال اختصاصه، خاصة نتيجة السرعة وعدم الانتباه وعدم احترام قواعد المرور.
غير أن تصدّر العامل البشري لأسباب الحوادث لا يعني حصر المسؤولية بصورة آلية في السائق. فالحادث قد يكون نتيجة اجتماع عدة عوامل، تشمل سلوك القيادة، والحالة التقنية للمركبة، وظروف الطريق، ومدى احترام أوقات العمل والراحة، إضافة إلى مسؤولية مؤسسة النقل والجهات المكلفة بالصيانة والمراقبة، ومن هنا جاءت أهمية القانون الجديد في الانتقال من معالجة تركز أساسا على السائق إلى منظومة تفحص كامل السلسلة التي سبقت وقوع الحادث.
المسؤولية لم تعد محصورة في السائق
يحدد القانون المسؤولية الجزائية والمدنية للسائق عن المخالفات التي يرتكبها بواسطة المركبة، كما يحمل مالك المركبة مسؤولية مدنية عندما يتعذر تحديد هوية السائق، ويقر بمسؤولية الشخص المعنوي عن المخالفات التي يرتكبها ممثلوه أو عماله باستخدام مركباته. ويعني ذلك، بالنسبة إلى مؤسسات نقل المسافرين، أن التحقيق لا يتوقف عند تصرف السائق، بل يمكن أن يشمل ظروف تشغيله، ومطابقة المركبة، واحترام قواعد الاستغلال والسلامة.
كذلك، وسّع النص دائرة المسؤولية لتشمل المكلفين بإنجاز الطرق وتهيئتها وصيانتها ومتابعتها، عندما يكون الحادث ناتجا عن أشغال غير مطابقة للمعايير، أو عن إهمال في الصيانة، أو عدم تنفيذ التدخلات الضرورية. وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة في المقاطع التي تتكرر فيها الحوادث بسبب وضعية الطريق أو غياب الإشارات أو ضعف الحواجز والتجهيزات الوقائية.
وفي سياق متصل، أنشأ القانون نظاما وطنيا لجمع وتبادل المعلومات والإحصائيات الخاصة بالحوادث، إلى جانب نظام وطني للنقاط السوداء، كما أسند إلى هياكل محلية مهمة رصد المواقع الخطرة، والتدخل لإبعاد الخطر، وإبلاغ السلطات بالحالات التي تتطلب معالجة تقنية أو تنظيمية. والهدف من ذلك هو الانتقال من التدخل بعد وقوع الحوادث إلى اكتشاف بؤر الخطر قبل أن تتحول إلى مصدر دائم للضحايا.
بالإضافة إلى ذلك، شدد القانون على المراقبة التقنية للمركبات، وألزم المركبة الخاضعة لهذه الرقابة بحمل محضر ساري الصلاحية يثبت أهليتها للسير، كما رتب مسؤولية جزائية على المراقب التقني أو الخبير الذي يتغاضى عن عيب مسجل أو يقدم بيانات غير صحيحة، مع تشديد العقوبة إذا تسبب ذلك مباشرة في حادث أدى إلى إصابات أو وفيات. وقد تصل العقوبة، في حالة الوفاة، إلى السجن من خمس إلى سبع سنوات وغرامة مالية بين 500 ألف و700 ألف دينار.
أما بالنسبة إلى النقل الجماعي، فيشترط القانون حيازة السائق شهادة مهنية بعد تكوين مؤهل، إلى جانب رخصة السياقة المناسبة، كما يخضع طالب الرخصة لشهادة طبية وتحاليل تثبت عدم تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية، وهو ما يعكس توجها نحو تعزيز الرقابة الصحية والمهنية على من يتحملون مسؤولية نقل أعداد كبيرة من المسافرين.
ويبقى نجاح هذه المنظومة مرتبطا بصرامة التطبيق والتنسيق بين أجهزة الأمن، ومؤسسات النقل، ومصالح الطرق، وهيئات المراقبة التقنية ومدارس السياقة. فالقانون وضع أساسا أوسع لتحديد المسؤوليات، لكن الحد من الحوادث يتطلب رقابة مستمرة تمنع المركبات غير المؤهلة من السير، وتفرض شروط العمل على الناقلين، وتعالج النقاط الخطرة، وتحاسب كل طرف يثبت أن إهماله ساهم في وقوع الحادث.


