أجود الأنواع تلك التي تنبت في الأراضي الحجرية
تتبدّل ألوان الأسواق في ولاية البليدة مع كل صيف، وتفسح الفواكه الموسمية المجال لنجمتين لا تغيبان عن ذاكرة الجزائريين: التين والتين الشوكي اللذان يشكلان استثناءً طبيعياً ينمو في الجبال والحقول دون حاجة إلى الري أو التسميد، ليصبحا خياراً مفضلاً لمن يبحث عن غذاء صحي خالص.
لا يتعلق الأمر بمذاق حلو ومنعش فحسب، فهو ثقافة غذائية بدأت تستعيد حضورها مع ارتفاع وعي المستهلك بأهمية المنتجات البيولوجية، حتى صار كثير من العائلات يحرص على اقتناء هذه الفواكه بمجرد حلول شهري جويلية وأوت، وهي الفترة التي تبلغ فيها ذروة النضج قبل أن تختفي مع بداية سبتمبر، باستثناء أصناف قليلة تنضج خلال الخريف والشتاء.
من الجبال إلى قلب المدينة
يكفي التجوّل في شوارع البليدة خلال هذه الأيام لملاحظة الطاولات الخشبية التي تتزين بأكوام التين والتين الشوكي او الهندي. ففي سوق «جواجلة « بأولاد يعيش، و»باب دزاير» وسط مدينة البليدة، وعند مبنى «المارابو» في بوعينان، يتحوّل الرصيف إلى فضاء نابض بالحياة يقصده المارة بحثاً عن منتوجات طبيعية جاءت مباشرة من المناطق الريفية والجبلية.
ورغم أن البليدة معروفة بمناخها الرطب الملائم لإنتاج التين، إلا أنها تستقبل أيضاً شحنات يومية من التين الهندي عالي الجودة القادم من أرياف ولايات عين الدفلى وتيسمسيلت، حيث تنتشر هذه النبتة في السفوح الصخرية وتنتج ثماراً كبيرة وحلوة قليلة البذور.
هناك، لا يقتصر البيع على التجّار التقليديين، بل وجد عشرات الشباب في هذه التجارة موسماً للرزق. ومن بينهم الثلاثيني نور الدين، الذي ينصب طاولته بالقرب من مسجد الحياة في أولاد يعيش، وقد أصبح معروفاً لدى زبائنه بجلب أجود الأنواع، حتى إن كثيرين يقصدونه بالاسم ثقة في جودة بضاعته.
فاكهة تزداد قيمة رغم الغلاء
لم يسلم التين الهندي من موجة ارتفاع الأسعار التي مسّت مختلف الفواكه هذا الصيف. فقد بلغ سعر الكيلوغرام نحو 300 دينار، بينما يفضل معظم الباعة بيعه بالحبة، التي تراوح سعرها بين 20 و30 ديناراً، بعد أن كانت أرخص بكثير في المواسم الماضية.
ومع ذلك، لم يؤثر الغلاء كثيراً في حجم الطلب، بل على العكس، تشير حركة الأسواق إلى تزايد الإقبال على هذه الفاكهة، مدفوعاً بارتفاع الوعي الغذائي ورغبة المستهلك في الابتعاد عن المنتجات التي يكثر الحديث حول الإفراط في استعمال المواد الكيميائية في إنتاجها.
فمثلا فاكهة العنب لم تعد طبيعية خالصة كما في السابق لأنها تأتي إلى الأسواق من بساتين تستخدم المواد الكيماوية وأساليب الزارعة العصرية، والأمر ينطبق على فواكه أخرى سواء التي تنضج في الصيف أو في الشتاء.
ثمرة لا تحتاج إلى شيء… وتعطي الكثير
يطلق سكان الأطلس البليدي على التين الهندي اسم «ثازارث إرومين»، أي «تين النصارى»، بينما يعرف في مناطق أخرى بأسماء مثل «كرموس نصارى»، و»كمصارة»، و»الهندية»، أما اسمه العلمي فهو Opuntia ficus-indica.
وتتميز هذه النبتة بقدرتها المدهشة على النمو طبيعياً دون سقي أو تقليم أو أسمدة، ولذلك استعملها الأجداد أيضاً كسياج طبيعي لحماية البيوت والبساتين، وأثبتت فعاليتها حتى في الحد من انتشار حرائق الغابات بفضل كثافة أوراقها المشبعة بالماء.
ويرى فلاحون أن أجود الأنواع هي تلك التي تنبت في الأراضي الحجرية، حيث تكون الثمار أكثر حلاوة وأكبر حجماً وأقل بذوراً، وهو ما يفسر شهرة بعض المناطق الجبلية في إنتاج أصناف مميزة يقصدها التجار كل صيف.
لا يقتصر تميز التين الشوكي على طبيعته البيولوجية، بل يمتد إلى قيمته الغذائية العالية التي جعلت خبراء التغذية يصنفونه ضمن أكثر الفواكه الصيفية فائدة. فهو غني بالمغنيزيوم والكالسيوم، ما يجعله مفيداً لصحة العظام والمفاصل، كما يساعد على الاسترخاء وتحسين النوم. ويحتوي كذلك على نسبة مرتفعة من الماء والألياف، مع كمية معتدلة من السكريات لا تتجاوز نحو 8 بالمائة، وهو ما يجعله مناسباً لمرضى السكري عند تناوله باعتدال، إضافة إلى دوره في خفض الكوليسترول وتحسين صحة الجهاز الهضمي.
كما تزخر الثمرة بفيتامينات C وE وA، ويكفي تناول أربع حبات لتغطية الاحتياجات اليومية من فيتامين «س»، فضلاً عن احتوائها على مضادات أكسدة قوية تساعد على تجديد الأنسجة والوقاية من الالتهابات ودعم صحة البشرة والشعر. لكن المختصين ينصحون بعدم الإفراط في تناولها، لأنها قد تسبب إمساكاً شديداً أو انسداداً معوياً، كما يفضل أكلها باردة بعد تبريدها في مياه الينابيع أو الثلاجة، لا وهي ساخنة تحت أشعة الشمس.
سياحة بطعم التين
في بلدية حمام ملوان، لا يكتمل المشهد الصيفي دون باعة التين الهندي المنتشرين على مداخل الوديان والمناطق السياحية. وخلال جولة بالمنطقة، يصعب تجاهل شاب يردد بصوت مرتفع: «150 دينار للكيلو»، في محاولة لاستقطاب الزوار إلى ثمار تبدو طازجة ولامعة تحت ظلال الجبال.
هذا الحضور لم يعد مجرد تجارة موسمية، بل أصبح جزءاً من التجربة السياحية نفسها. فكثير من العائلات تربط زيارة حمام ملوان بشراء التين الهندي والفواكه الجبلية الأخرى، وهو ما دفع بعض الخبراء في السياحة إلى الدعوة لدعم سكان المناطق الريفية وتشجيعهم على تطوير إنتاج وتسويق هذه المنتجات، باعتبارها مورداً اقتصادياً يحسن الخدمات السياحية ويخلق مناصب شغل محلية.
من ثمرة مهملة إلى صناعة واعدة
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً في نظرة الجزائريين إلى التين الشوكي. فالثمار التي كانت تترك في البساتين بعد انتهاء موسمها أصبحت اليوم مادة أولية مطلوبة من شركات تستخرج منها زيوتاً طبيعية ومستحضرات تجميل ومنتجات غذائية ذات قيمة مضافة عالية.
وتعد بذور التين الشوكي من أغلى المواد النباتية في العالم، إذ يستخرج منها زيت ثمين قد يصل سعر اللتر الواحد منه إلى نحو ألف أورو في الأسواق الدولية، بينما تستعمل أوراق النبتة في الصناعات الغذائية وحتى في مطابخ المطاعم الراقية.
هذا الطلب الجديد شجع عدداً من العائلات، خصوصاً في المناطق الريفية بعين الدفلى، على غرس مساحات إضافية من التين الهندي ليصبح مورداً مالياً يساعدها على مواجهة غلاء المعيشة، بعدما كان مجرد نبات ينمو على أطراف الحقول.
ثروة تستحق الرهان
تعدّ الجزائر اليوم من أكبر المنتجين العالميين للتين الشوكي بحسب ما ذكره المختص في التراث معمر بن سونة، غير أن هذه الثروة الطبيعية لا تزال دون مستوى الاستغلال الاقتصادي الذي تستحقه. فإمكانات إنشاء سلسلة إنتاج متكاملة، من الزراعة إلى التحويل الصناعي والتجميل والتصدير، تبدو كبيرة، خاصة في الهضاب العليا والمناطق الداخلية التي توفر الظروف المثالية لنمو هذه النبتة المقاومة للجفاف.
غير أن هذا الكنز يواجه تحديات حقيقية، أبرزها انتشار الحشرة القرمزية التي تهدد بساتين التين الشوكي في بعض المناطق كما حدث في بلدية الهرانفة مؤخرا في ولاية الشلف، ما يفرض تعزيز برامج الوقاية والمكافحة لحماية محصول أصبح يجمع بين القيمة الغذائية والاقتصادية والبيئية. وفي زمن يبحث فيه العالم عن «غذاء المستقبل»، يبدو أن التين والتين الهندي ليسا مجرد فاكهتين صيفيتين، بل عنوان لعودة الجزائريين إلى الطبيعة، ورسالة تؤكد أن أبسط ثمار الجبال قد تكون أكثرها غنىً وفائدة.



