كافــــــرا وأنبـوب الغــاز العابــــر.. عصـــب تطويـر منطقـــة السّاحـــل
أوضحت الباحثة في الإقتصاد بالمركز الجامعي المقاوم الشيخ آمود بن مختار في ولاية إيليزي، الدكتورة سامية دومي، أن العلاقات الجزائريةـ النيجرية، لم تعد تندرج في إطار التعاون التقليدي بين دولتين متجاورتين، بل بدأت تتحوّل تدريجيًا إلى شراكة ذات أبعاد اقتصادية استراتيجية وجيوسياسية، تتقاطع فيها مصالح البلدين حول تحقيق الأمن والإستقرار، واستغلال الموارد الطبيعية المحلية، وتبادل الخبرات، وتطوير البنى التحتية الطاقوية، التكامل وتعزيز الاندماج الإفريقي.
قالت الدكتورة سامية دومي، في تصريحها لـ»الشعب»، أن مشروع كافرا النفطي برز في قلب التحوّل الجديد في العلاقات بين الجزائر والنيجر، ومثَّل اختبارًا عمليًا لقدرة البلدين الشقيقين على الانتقال من مرحلة الاتفاقات والمذكرات إلى مرحلة انجاز المشاريع الكبرى المنتجة للقيمة المضافة على أرض الواقع.
وكشفت دومي، أن هذا المسار النوعي يكتسب أهميته من الموقع الجغرافي لكافرا في شمال النيجر، بالقرب من الحدود الجزائرية، ومن الحضور الأساسي لمجمع سوناطراك في هذا المشروع النفطي الحيوي، وهو العملاق الطاقوي الذي بدأ اهتمامه بالمنطقة منذ سنوات، وقاد أعمال الاستكشاف إلى اكتشافات نفطية خلال 2018 و2019.
كما أفادت محدثتنا، بأن البئر الاستكشافية الأولى KFR-1 أظهرت وجود مكامن من النفط الثقيل، بينما كشفت البئر الثانية KFRN-1 عن نفط شمعي غني بالبارافين، وهو ما وفّر قاعدة جيولوجية لإعادة تقييم الإمكانات النفطية للكتلة. وفي فيفري 2022 تمّ توقيع عقد محدث لتقاسم الإنتاج بين فرع سوناطراك الدولي والسلطات النيجرية، مع مواصلة تقييم وتثمين الإمكانات الهيدروكربونية للمنطقة.
غير أن القيمة الحقيقية للتطوّرات الأخيرة لا تكمن فقط في كمية النفط الممكن استخراجها، وإنما في التحوّل من التعاون الاستكشافي إلى الإنتاج والتسويق المشتركين، حيث شهد عام 2026 تسارعًا واضحًا في مسار المشروع، وأعلنت السلطات الجزائرية والنيجرية عن التحضير لبدء عمليات الحفر والإستخراج في كافرا، عقب استكمال الدراسات الفنية، بالتزامن مع انعقاد الدورة الثانية للجنة المشتركة الكبرى الجزائرية–النيجرية للتعاون في نيامي بشهر مارس 2026، وفقًا لها.
من مشروع إلى رافعة للعلاقات
أكدت الدكتورة سامية دومي، إن قراءة مشروع كافرا خارج سياقه الجغرافي والسياسي قد تقود إلى اختزاله في مشروع لاستغلال النفط، بينما تكشف المعطيات الأوسع أنه يمكن أن يتحوّل إلى رافعة لإعادة بناء الشراكة الجزائرية –النيجرية على أسس اقتصادية أكثر تنوعًا واستدامة.
وتمتلك الجزائر، مثلما أضافت سامية، خبرة تراكمية كبيرة في الاستكشاف والإنتاج والخدمات النفطية، بينما يسعى النيجر إلى تطوير قدراته الوطنية وتعزيز استفادته من موارده الهيدروكربونية. وعليه، تتمظهر العلاقة التكاملية بين البلدين الشقيقين؛ فالجزائر توفر الخبرة التقنية والهندسية والتكوين ونقل المعرفة، في حين يوفر النيجر الموارد المحلية والمجال الاستثماري وفرص التوسّع في سوق الطاقة الداخلي والإفريقي.
هذا البُعد ظهر بجلاء في جوان 2026، عندما وقعت فروع تابعة لمجمع سوناطراك ثلاث مذكرات تفاهم مع الشركة النيجرية للبترول «سونيديب»، شملت مجالات المسح الزلزالي، ومعالجة البيانات، وأعمال الحفر، وجوانب أخرى مرتبطة بالإنتاج والخدمات النفطية، إضافة إلى البحث والاستكشاف والتطوير والتكرير والبتروكيمياء والتوزيع والتكوين والتسويق ونقل التكنولوجيا. وهنا تحديدًا تكمن أهمية التجربة الناجحة؛ فالتعاون لا يبدو محصورا في استخراج النفط الخام، بل يتجّه نحو بناء منظومة تعاون طاقوي وشراكة متكاملة، مما يمنح العلاقة الجزائرية ـ النيجرية قدرة أكبر على النضوج والاستمرار بعيدًا عن تقلبات الوضع السياسي والأمني بالساحل، بحسب قولها.
من التسويق إلى بناء القدرات الذاتية
رأت الدكتورة دومي، أنه لا ينبغي النظر إلى الشراكة بين «سوناطراك» و»سونيديب» من زاوية الإيرادات النفطية المباشرة فقط؛ ذلك أن الرهان الأكبر يتمثل في بناء القدرات وتكوين الكفاءات النيجرية، وتمكين الاستفادة من التكنولوجيا والخبرة الجزائرية في مختلف حلقات سلسلة القيمة النفطية، وأشارت أن الجزائر استقبلت في جوان 2026 وفدًا من الخبراء والمهندسين التابعين لوزارة النفط النيجرية، في إطار برنامج لتبادل المعارف والتكوين، شمل لقاءات تقنية وزيارات إلى هياكل مرتبطة بإدارة البيانات والاستكشاف والإنتاج.
وتابعت: «هذا النوع من التعاون يمكن أن يخلق أثرًا اقتصاديًا يتجاوز عوائد استخراج النفط؛ لأنه يساهم في تكوين رأس مال بشري نيجري قادر على إدارة الصناعة النفطية مستقبلا. ومن ثم فإن نجاح الشراكة لا يقاس فقط بعدد البراميل المنتجة، وإنما كذلك بعدد الكفاءات التي يتمّ تكوينها، وحجم التكنولوجيا التي يتمّ نقلها، ومدى مساهمة المشروع في تطوير المؤسسات الوطنية النيجرية. أما بالنسبة إلى الجزائر، فإن توسيع حضور سوناطراك في النيجر يندرج ضمن توجّه أوسع نحو تعزيز الحضور الاقتصادي في إفريقيا، والاستفادة من الخبرة الوطنية في فتح مجالات استثمار طاقوي جديدة، إذ تكتسب هذه السياسة أهمية خاصة في ظلّ المنافسة المتزايدة على الموارد والأسواق والموارد النفطية والمعدنية في القارة السمراء».
الطاقة كأداة للاندماج الإقليمي والإفريقي
أوضحت الأستاذة سامية، أن التعاون النفطي بين الجزائر والنيجر يتقاطع مع مشروع أكبر يتمثل في تعزيز الترابط والتكامل الطاقوي الساحلي والإفريقي، لافتة إلى أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP)، يحتلّ موقعًا بارزًا في أجندة التعاون الثلاثي بين الجزائر ونيامي وأبوجا، في ضوء دعم الجانب النيجري للمشروع، الذي يعتبره استثمارا هيكليا بالنسبة إليه، ويخدم اقتصاده واقتصادات الدول المعنية والقارة الإفريقية، مع الإشادة بالسند التقني الجزائري في هذا الخصوص.
وعلى هذا الأساس، يُنظر إلى مشروعي «كافرا» و»أنبوب الغاز العابر للصحراء» كمشروعين مختلفين في طبيعتهما، لكنهما يلتقيان في هدف استراتيجي واحد يتمثّل في تحويل المجال الصحراوي الساحلي من فضاء جغرافي شاسع يفصل بين الدول إلى محور تنموي واقتصادي يربط بينها. وهذا التحوّل يحمل في حدّ ذاته، دلالة مهمة في السياق الإفريقي؛ إذ إن امتلاك الموارد الطبيعية وحده لا يكفي لتحقيق التنمية، ما لم تتوافر شبكات النقل والخدمات والقدرات والكفاءات البشرية والمؤسساتية القادرة على تحويل تلك الموارد إلى قيمة اقتصادية حقيقية، تذكر الباحثة.
عملاق إفريقي وعالمي رائد
اعتبرت دومي، حضور سوناطراك في كافرا، مكسبًا مهمًا ضمن مسار تدويل نشاط هذا العملاق الطاقوي الجزائري، ونوّهت أن الشركة لا تدخل السوق النيجرية كمورد تقليدي، وإنّما كشريك في الاستكشاف والتطوير والإنتاج والتسويق ونقل الخبرات. وهذا النموذج يختلف عن علاقة تقوم فقط على شراء أو بيع المحروقات؛ لأنه يسمح لسوناطراك بتوظيف خبرتها التقنية في أسواق إفريقية، وفي الوقت نفسه، يمنحها فرصة لتوسيع شبكاتها المهنية والاستثمارية في القارة.
ووفقًا للمصدر ذاته، فإن الاتفاقات الموقعة مع مؤسسة «سونيديب» النيجرية في جوان 2026، تعكس انتقال التعاون بين الجزائر ونيامي نحو مجالات أكثر تعددا، بما فيها الخدمات النفطية والمسح الزلزالي والحفر والتوزيع والتكرير والتحويل والتسويق الدولي وغيرها، وهو ما يمكن أن يشكّل قاعدة لتطوير شراكات أوسع بين الطرفين في حقول نفطية أخرى مستقبلا.
العلاقات الجزائرية ـالنيجرية في قطاع الطاقة، أمام فرصة للانتقال من التعاون القطاعي إلى شراكة استراتيجية متنوعة، وإذا نجح الطرفان في تجاوز التحديات الفنية واللوجستية والأمنية، فإن المشاريع المشتركة الجديدة ستسهم في بناء نموذج إفريقي للتعاون جنوب–جنوب، يقوم على الاستثمار المشترك، والمنفعة المثمرة المتبادلة، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، وتعزيز السيادة على الموارد الوطنية والقارية، تختم الدكتورة سامية.

