مجالـــس للذكــر والصــلاة علـى النبـي صلـــى اللّــــه وعليـه وسلــــم
لا تمر ذكرى المولد النبوي الشريف كغيرها من المناسبات في ولاية سطيف، إذ تستقبلها العائلة السطايفية بطقوس خاصة تختلط فيها الأجواء الدينية بفرحة الأطفال ودفء اللقاءات العائلية، فتفتح المساجد للذكر والصلاة على النبي، وتستعد البيوت لهذه الليلة بإعداد أطباق تقليدية تحتفظ بمكانتها على المائدة، فيما تضيء الشموع أركان المنازل وتفوح رائحة البخور، ويجد الصغار في الحناء والألعاب والمفرقعات ما يضاعف فرحتهم بهذه المناسبة التي ظلت تفاصيلها حاضرة في البيوت على مرّ السنين.
تستعدّ مساجد ولاية سطيف لإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف ببرامج دينية تتناول سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وأخلاقه ومواقفه، إلى جانب تلاوة القرآن الكريم وإقامة مجالس الذكر والصلاة على النبي، في أجواء روحانية تستقطب المصلين وتمنح المناسبة بعدها الديني.
كما تخصّص بعض المساجد نشاطات لفائدة الأطفال والشباب، من خلال مسابقات في حفظ القرآن الكريم والأسئلة الدينية، بما يجعل ذكرى المولد فرصة لتعريف الناشئة بسيرة خير الأنام وترسيخ محبتها في نفوسهم.
نكهـــــة خاصـــة علــــى المائـــــــدة
في البيوت، تبدأ العائلة السطايفية استعداداتها لتحضير وجبة العشاء، حيث تتقدّم الأطباق التقليدية المائدة في هذه المناسبة، وفي مقدمتها «البربوشة بالكتف» التي تعد من الأكلات التي تحافظ على حضورها في المناسبات العائلية.
كما تحضر «الفرمسة»، وهي أكلة تعرف في مناطق أخرى من الجزائر بتسميات مختلفة، من بينها «الرقاق» أو «لفطير»، وتختلف طريقة إعدادها من عائلة إلى أخرى، غير أنها تظلّ من الأطباق التي تستحضرها الذاكرة الغذائية في المناسبات.
ولا تقتصر أهمية هذه الأطباق على مذاقها، بل تحمل معها حكايات البيوت القديمة ووصفات الأمهات والجدات، حين كانت المناسبة الدينية تجمع أفراد الأسرة حول مائدة واحدة، وتمنح للطعام معنى يتجاوز حدود الوجبة.
وتحجز «الطمينة» مكانا خاصا في سهرة المولد، إذ تحضر في العديد من البيوت السطايفية بالدقيق والعسل، ثم تزين بحبات «الدّراجي»، لتأخذ مكانها وسط الحلويات والمكسرات التي ترافق جلسة العائلة.
ورغم تعدّد الحلويات وتنوعها، لا تزال الطمينة تحتفظ بمكانتها، بعدما ظلت وصفة بسيطة بمكونات متوفرة تختزن في طعمها ذكريات ليالي المولد، وتستحضر معها صورة الأمهات وهنّ يحضرنها للمناسبة.
الشموع.. عادة قديمة أبى الزمن أن يطفئها
ومن الطقوس التي ما تزال حاضرة في عدد من البيوت السطايفية إشعال الشموع ليلة المولد النبوي الشريف، وهي عادة قديمة أبى الزمن أن يطويها، وظلت متمسكة بمكانها رغم تغير أنماط الحياة.
وتشعل الشموع في أرجاء المنزل وعلى الموائد، فتمنح المكان نورا هادئا وأجواء احتفالية مميزة، فيما تحمل هذه العادة في تفاصيلها شيئا من ذاكرة الجدات والأمهات، حين كانت الشموع من أبرز علامات الاستعداد لهذه الليلة.
ولعلّ استمرار إشعالها إلى اليوم يعكس تعلق العائلة السطايفية ببعض الطقوس القديمة التي لم تستطع السنوات محوها، فكلما حل المولد عادت الشموع لتضيء البيوت وتستحضر صورا من زمن مضى.
الحناء للأطفال.. زينة ترافق فرحة المولد
وللأطفال طقوسهم الخاصة في هذه المناسبة، إذ تحرص بعض الأمهات على وضع الحناء في أيديهم، في مشهد احتفالي يضفي على ليلة المولد مزيدا من البهجة، خصوصا عندما تكون المناسبة متزامنة مع ختان أحد الأطفال.
كما تختار بعض العائلات إقامة ختان الأطفال تزامنا مع المولد النبوي، فيرتدي الطفل ملابس جديدة أو زيا تقليديا، وتتحوّل المناسبة إلى فرحة عائلية يحضرها الأقارب والجيران، وتبقى تفاصيلها من أجمل الذكريات المرتبطة بالطفولة.
المفرقعـات والألعــــاب الناريــــة.. حـــين تخــــرج الفرحـــة إلى الشـــــوارع
ومع حلول المساء، ينتقل جزء من الاحتفال من داخل البيوت إلى الأحياء، حيث يجد الأطفال في الألعاب المضيئة والمفرقعات والألعاب النارية وسيلة للتعبير عن فرحتهم بالمناسبة.
وتشهد بعض الشوارع حركة لافتة للصغار الذين يتجمعون حاملين ألعابهم، بينما تتردّد أصوات المفرقعات في أرجاء الحي، في مشهد أصبح مرتبطا بليلة المولد في ذاكرة الأطفال، رغم الحاجة إلى توعية الصغار بمخاطر الاستعمال العشوائي لهذه الألعاب وضرورة مراقبة الأولياء.
سهـــرة المولـــد… حـــين تجتمع العائلـــة حــول مائــدة واحـــدة
وتبقى السهرة العائلية من أجمل تفاصيل المناسبة، حيث يلتقي أفراد الأسرة في بيت واحد، ويتبادلون التهاني والدعاء، قبل أن يجلسوا حول الشاي والطمينة والحلويات والمكسرات.
وفي مثل هذه السهرات، لا يكون اجتماع العائلة مجرد لقاء عابر، بل فرصة لاستعادة أحاديث قديمة وذكريات الطفولة، فيما يتعرّف الصغار على بعض العادات التي ما تزال الأمهات والجدات يحرصن على إبقائها حاضرة في المناسبات.
ورغم ما طرأ على الحياة اليومية من تغيرات، لا تزال العائلة السطايفية تحتفظ بعدد من تفاصيل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، من البربوشة بالكتف والفرمسة والطمينة، إلى إشعال الشموع ووضع الحناء للأطفال وختان الصغار، وصولا إلى فرحة الأطفال بالألعاب والمفرقعات.
وبين أجواء المساجد وسكينة البيوت، وبين رائحة الأطباق التقليدية وضوء الشموع وصخب الأطفال في الشوارع، تظلّ ليلة المولد في سطيف مناسبة لها نكهتها الخاصة، تختزن صورا من الماضي وتمنح الحاضر شيئا من دفء العادات القديمة، لتبقى بعض طقوسها حاضرة في تفاصيل الحياة العائلية رغم مرور الزمن.




