مساء هذا اليوم عدتُ من عملي وأنا أستقبل أيلول قبل أنْ يصل، فقد سبقت باكورتُه الروزنامة، وانسابت في السماء سحب خجولة مثل بشارة صغيرة بموسمٍ طال انتظاره.
كان في قلبي شيء من الفرح لا أعرف له سببًا سوى أنّ الشتاء بكل ما يحمله من رائحة الأرض ودفء البيوت وحنين النوافذ بدأ يلوّح من بعيد.
دخلتُ البيت فوجدتُ ابنتي تقلب صفحات حسابها على «الإنستغرام». في تلك اللحظة أعترف أنني لم أكن أبحث عن شيء، ولم أكن أعرف أنّ لحظة عابرة كهذه يمكن أنْ تفتح في القلب بابًا ظلّ موصدًا سنوات.
فجأةً التقط سمعي صوت فيروز مترنمة: «واحبيبي، واحبيبي، أيُّ حالٍ أنت فيه؟
من رآك فشجاك أنت أنت المفتدي»
خطفتُ الهاتف من يدها ولا أدري كيف خطفتني الترنيمة إلى زمنٍ آخر.
أخذتُ أتأمل الفيديو المصاحب لشتاء هادئ، ونوافذ تلمع عليها قطرات المطر، وأشجار تغسلها السماء، وبيوت تتوسد دفءَ المساء.
كان المشهد أشبه ما يكون لذاكرة قديمة.
لكنّ الذي أوقفني حقًا لم يكن المطر، ولا فيروز، ولا حتى الشتاء.
ما لفتني كان جملة صغيرة أسفل الفيديو تقول:
«أين تذهب الأيام التي نتذكر فيها أيامًا أخرى؟»،
قرأتُها مرة، ثم عدتُ إليها، ثم شعرتُ على نحوٍ غريب أنّ شيئًا في داخلي قد اختلّ.
يا إلهي، أين تذهب فعلًا الأيام التي نتذكر فيها أيامًا أخرى؟
هل تمضي الأيام إلى الأمام حقًا؟ أم أنّ بعضها يظل عالقًا فينا، فيعيش كلما مرّت به أغنية، أو رائحة مطر، أو نافذة، أو صوتٌ يشبه صوتًا أحببناه ذات يوم؟
لطالما ظننت في طفولتي أنّ الماضي مكان غادرناه، وأنّ الأيام التي مضت صارت وراءنا محفوظةً في ألبومات الصور، أو في أدراج الذاكرة، أو في أسماءٍ لم نعد ننطقها.
لكنني أدركت لاحقا شيئًا آخر أكّد لي أنني كنت أحتال على نفسي لأخفّف عنها حزنها، فربما لا تذهب الأيام أبدًا.
ربما نحن الذين نغادرها قليلًا قليلًا، ثم تعيدنا هي إليها دون استئذان.
قد يمضي عام كامل، ثم تأتي قطرة مطر واحدة فتفتح في الروح بابًا إلى شتاءٍ بعيد.
وقد تمرّ أغنية في أذننا لثوانٍ، فتستعيد ملامح وجهٍ نسيناه، وشارعًا كنا نعبره، ونافذةً كنا ننتظر عندها، وضحكةً لم نكن نعرف وقتها أنها ستصبح يومًا من أثمن ما نملك.
وإذا كنا نتذكر أيامًا مضت ونحن نعيش أيامًا جديدة، فأيُّ زمنٍ نعيش حقًا؟
زمن اللحظة التي نحن فيها؟
أم زمن اللحظة التي استيقظت فينا؟
ربما لهذا نشعر أحيانًا أننا أكبر من أعمارنا؛ لأنّ أجسادنا تعيش يومًا واحدًا، بينما أرواحنا تحمل أعوامًا كاملة.
نعمل، وننشغل، ونخطط للغد، ونظنّ أننا نمضي في خط مستقيم، ثم تأتي أغنية، أو رائحة، أو مطر أيلولي مبكر، فتبعثر هذا الخط كله، وتعيد ترتيب العمر على طريقتها.
والمؤلم أننا لا نعيش حاضرنا وحده، فنحن نعيش حاضرًا محاطًا بكلّ ما كان.
نضحك اليوم وفي ضحكتنا شيء من ضحكات الأمس، ونحبّ اليوم وفي القلب ظلال من أحببناهم ذات زمن، ونشتاق إلى الشتاء القادم، بينما في أعماقنا شتاءاتٌ كثيرة لم تنتهِ بعد.
ولعلّ أجمل ما في الذاكرة أنها لا تسألنا إنْ كنا مستعدين، فهي تأتي فجأة، وتجلس إلى جوارنا، وتقول لنا:
أتذكرين؟
فنكتشف أننا لم ننسَ، نحن فقط كنّا مشغولين بالحياة.
عدتُ إلى النافذة بسرعة، وتأكّدت من بقاء السحب، فقرّت عيني، وسكنت روحي.
كانت سحب أيلول ما تزال معلقة في السماء، فقد جاءت لتوقظ شيئًا قديمًا فينا.
ابتسمتُ، وفكرت:
لعلّ الأيام التي نتذكر فيها أيامًا أخرى لا تذهب إلى مكان.
لعلها تبقى هنا..في المسافة الخفية بين القلب والذاكرة.
تبقى لتخبرنا كلما حسبنا أننا كبرنا ونَسينا أنّ بعض الأعمار تُقاس بعدد المرات التي استطاعت فيها أغنية واحدة أنْ تعيدنا أطفالًا، أو عاشقين، أو حالمين، إلى حيث كنا ذات يوم.
ففي المسافة بين غيمةٍ عابرةٍ وأغنيةٍ قديمة أدركتُ أنّ للذاكرة مواسمها أيضًا، وأنّ بعض الأيام تنتظر أيلول كي تعود.
وربما لهذا أحبّ أيلول؛ لأنه لا يدخل علينا من باب التقويم.
إنه يدخل من باب الذاكرة، وما إنْ تهبّ أولى نسماته حتى نشعر أنّ شيئًا قديمًا فينا يفتح عينيه من جديد…
فالزمن بعد كلّ هذه السنوات لم يكن يمضي بنا إلى الأمام تمامًا.
كان يأخذنا معه..ثم يعيدنا أحيانًا إلى حيث تركنا قلوبنا، فما الحنين إلا شاهدٌ صامتٌ على أنّ في الإنسان عمرًا لا تبلغه الساعات، عمرًا إذا انقضى زمنُه بدأ خلودُه.







