ثمة حزن لا يتّخذ من الدموع لغة، ولا يستأذن الوجه أن يتغيّر؛ حزن يسكن في القاع، حيث لا تصل إليه عين، ولا يجرؤ على مسّه ضوء .
هو كالبحر في وقاره الكاذب: تلهو فوقه النسائم، ويظنّه العابرون سلامًا مصفّى، ولا يعلمون أنّ في أعماقه أممًا من الغرقى، وأنّ السكون على سطحه إنما هو مراس الأعماق على الصمت، لا غياب للعاصفة.
هو جمر نثر عليه رماد بيد ماهرة، فبدا للناظرين بردًا مطفأً، وهو في حقيقته يأكل نفسه ببطء، ويحمل حزنه كما تحمل الأرض أمواتها: بصبرٍ لا تكافأ عليه، وبثقلٍ لا يظهر أثره إلا في انحناءة الكتفين مع الزمن.
كم من قلبٍ حمل جنازته بيده، ومشى بها بين الناس، وابتسم! فهو يُحسن التماسك حتى ليُخيَّل لمن حوله أنه من حجر، ولو شقّوا صدره لوجدوا ركامًا من مدنٍ منهارة. هكذا وصفوه قديمًا: عينٌ تبيضّ من فرط ما تكتم، لا مما تُظهر.
وما الكتمان إلا كرامة يُساء فهمها: فالذين يصرخون بجراحهم يستجدون رحمة العابرين، أما الذين يدفنون أوجاعهم في صدورهم فيمنحونها القبر اللائق. لكن..يا للمفارقة..الكتمان نفسه يزن كل ليلة أطنانًا فوق القلب؛ والذي يُحسن حمل وجهه أمام الناس، يعود إلى نفسه في العراء، فيخلع القناع، فيرى الوحش الذي رباه بيديه سنين طويلة.
فلترحم من ابتسامته أهدأ من أن تكون صادقة، ومن صمته أعمق من أن يكون فراغًا؛ فبعض الناس محيطاتٌ تمشي على قدمين، ونحن لا نرى منهم إلا الشاطئ.







