حين يعانق الصديق سيرة صديقه الشهيد، فإن الكلمة تخلع عنها بزة النقد المدرسي لتصبح نبضاً حياً وشهادةً على حافة الدمع.
هذا ما أتاحه لنا الكاتب ناصر عطا الله في كتابه «صائد الأمواج: سليم النفار..»، الصادر حديثاً عن مكتبة كل شيء في حيفا.
«صائد الأمواج» ليس إصداراً للتوثيق المجرد، أو استعراضاً للمهارة اللغوية والاقتدار الكتابي، بل هو مرثية كونية ملطخة بملوحة البحر ووشوشات الحصى، وعربدات الريح، وانكسار الأشرعة، ووجع الفقد الذي نعرف تفاصيله جميعنا عن قرب خصوصاً ونحن مازلنا داخل براميل الموت، يمارس علينا فعل الإبادة بتلذذٍ دراكوليٍ مريض.
ما يلفت الانتباه حقاً في هذا الأثر المنشور والذي بين أيدينا، هو قدرة كاتب السيرة السردية على النفاذ إلى الجوهر الأعمق لتجربة سليم الإنسانية والشعرية؛ فمن يافا (حي العجمي) إلى مخيم الشاطئ في غزة حيث وُلِد عام 1963، مروراً بتفاصيل اللجوء والاغتراب، والمد والجزر، بملامح أرصفة الشتات ولهيب حنينها، ومكنونات الذات الشاعرة التي لا تنطفئ، بالبحر وتعاريجه الذي لم يكن مجرد جغرافيا عابرة في حياته، بل كان الملاذ والرمز والمجاز الذي شكّل روحه الشفافة وحنينه الذي لا يهدأ.
لقد ظل سليم، ذلك العملاق المقرفص في مصباح الحنين، وتلك الروح المتمردة، مأخوذاً باتساع الأفق رغم ضيق المخيمات وقسوة الشتات، باحثاً عن ضوء آخر النفق حتى رمقه الأخير، صامتاً كعادته، مثرثراً حين يكتب حد الإيلام.
لقد ولج الكاتب ناصر عطا الله إلى دهاليز الحكاية، بل الحكايات بثبات الواثق من صدقها وتفاصيلها، كيف لا وهو الصديق المقرب والشريك في معركة التحرر، والانعتاق من عبودية المحتل والرجعية، والمحلق معه في سماوات الحب حين تهب الريح الشمالية.
أمام هذا السرد الموجع لا يسعني إلا أن أتوقف مطولاً عند ذلك الارتباط الجذري المأساوي بالأب المناضل الراحل «مصطفى النفار (أبو سليم البحرية)»، مؤسس أول جهاز بحري لمنظمة التحرير وقائد عملية «نهاريا» عام 1971، الذي استشهد على شاطئ الحميدية بسوريا عام 1973.
كأن التاريخ كان يعيد صياغة قدر هذه العائلة بنص تراجيدي واحد؛ فمثلما رحل الأب على صدى الموج والشواطئ البعيدة، اختار الابن أن يختم سيرته في ديسمبر 2023 شهيداً تحت الأنقاض مع رفيقة عمره وعائلته في تلك المجزرة الرهيبة التي خطفت أرواحاً نقية، والتي ما زالت أنقاضها المكدسة فوق عظامهم تقيهم برد النكبة الجديدة الأدسم دماً، والأغزر فقداً ووجعاً.
ولأن سليم كان صديقاً لي وللجميع، وفياً لرفاقه على درب الوجع كابن مخيم لا ينسى أصحابه (مثل الراحل خالد متولي وغيره)، فإن ناصر عطا الله في هذا الكتاب لم يكتب سيرة فرد، بل كتب وقفة عزاء لجيلٍ كامل أُفرغت مخيلته عنوةً.
إنها تشبه تماماً قراءة في نص يرفض النسيان، ويصر على أن يظل سليم حياً فينا، بصوته، وبشعره، وببياض روحه الذي لم يتغير.
وأريد هنا أن أتوقف قليلاً عند دلالة اختيار عنوان «صائد الأمواج» الذي أعجبني (بدلاً من صياد)، حيث جاء اختيار العنوان بلفظ «صائد» (على وزن فاعل) محملاً بأبعادٍ بلاغية ووجودية عميقة تتفوق على صيغة المبالغة التقليدية «صياد»:
«صائد» تدل على الفعل الحي والمستمر والاشتباك الواعي مع المجهول، وليست مجرد حرفة أو مهنة معتادة (كالصياد الذي يصطاد للرزق).
إنها تعبر عن شاعر يعاند الموج ويلاحق المعنى ويقتنص الجمال وسط الخطر. كما تمنح كلمة «صائد» طابعاً أسطورياً وتراجيدياً للرجل الذي ارتبط مصيره ومصير أبيه من قبله بالبحر والأمواج والشتات والرحيل، لتبرز صورة الشاعر كفارس يقف في وجه الطوفان رافضاً الاستسلام حتى آخر أنفاسه.
صائد الأمواج سيرة وفية من كاتبٍ تعودنا على وفائه معنا جميعاً طوال اشتباكنا معه في درب الإبداع، لكاتبٍ تعودنا منه الإدهاش والوضوح والصدق، لتولد هذه التحفة الحميمية لتضعنا جميعاً أمام دمعة مالحة توخزنا لنفعل شيئاً لتلك العظام التي مازالت تتوجع تحت الركام وترغب في أن تأخذ حقها من كرامة دفن الميت.
ولتضعني أمام فرحةٍ حقيقية بأن الوفاء ما زال حاضراً مشعاً طازجاً متجذراً كما حضور سليم…







