صدر مؤخرا عن دار النشر الجزائرية «دواية»، كتاب قيّم في أدب الرحلة بعنوان «من صحراء تندوف إلى حمراء غرناطة»، يستعرض فيه الدكتور محمد رحال رحلة وجدانية بصرية، يستنطق فيها شواهد رحلته من تندوف إلى الأندلس وحواضر قرطبة وذكرياتها خلال حقب زمنية متعددة، بأسلوب فني جميل يحوّل فيه الجغرافيا الصماء إلى نص إنساني نابض بالحياة.
يتناول الكتاب في أزيد من 100 صفحة جوانب مهمة من تاريخ الأندلس، ينطلق فيها الكاتب من مقدمة تمهيدية تمهّد لـ «نداء الدم والحجر»، لينقسم هذا العمل الجميل إلى أربعة فصول رئيسية يرصد فيها محطات رحلته، بدءًا بمدينة «فرانكفورت» كمحطة أولى للمفارقة بين الحداثة الزجاجية والتاريخ، لينتقل في الفصل الثاني إلى «إشبيلية وقرطبة» (أندلسيات مفقودة)، ليتوج في الفصل الثالث في «غرناطة» درة التاج ودموع الحمراء، ويختتم بالفصل الرابع كـ»استراحة محارب في مدريد»، تليه خاتمة العودة إلى مدينة تندوف.
ويستعرض الكاتب خلال رحلته جوانب وجدانية وبصرية وتاريخية، تنطلق من امتداد رمال تندوف لتعانق حجارة الأندلس الحمراء، ليس كمجرد يوميات سائح، بل هو «تذكرة عودة» تأخرت خمسة قرون، فالموضوع الجوهري الذي يحاول الكتاب استظهاره في هذه الرحلة هو البحث عن «الأثر» واسترداد الذاكرة الموريسكية المفقودة، فالكاميرا والكلمة – حسب الكاتب – هنا تتجولان بين أزقة الأندلس لطرح سؤال وجودي، لتنتهي جولته بسؤال: ماذا تبقى منا هناك؟ إنه حوار بين الصحراء التي شكلت هويتنا، والتاريخ الأندلسي الذي يسكن وجداننا حسبه.
واعتبر صاحب الكتاب في حديثه مع «الشعب» أن كتاب «من تندوف إلى حمراء غرناطة» يندرج في صميم «أدب الرحلة»، ولكنه أدب رحلة كُتب بـ «رؤية سينمائية»، فهو يمثل استمرارًا عضويًا لمشروعي الثقافي والفني، يحاول مدّ الجسور بين الجذور المحلية (الصحراوية) والبعد العالمي أو التاريخي، كما تجلى سابقًا في كتاب «من صحراء تندوف إلى أرصفة ميلانو». في كلا العملين، وفي أفلامي أيضًا، الهاجس واحد: دراسة علاقة «الأنا» بالـ «آخر» والمكان، وتحويل الجغرافيا إلى نص إنساني ينبض بالحياة.كما يحاول الكتاب من خلال هذا العمل الفني تقديم الجديد، والابتعاد عن الوصف الجاف للمعالم التاريخية أو استنساخ كتب التاريخ، من خلال تقديم «فيلم مقروء»، فالقارئ – حسبه – يكتشف الأندلس عبر عدسة مخرج سينمائي، من خلال التركيز على تفاصيل دقيقة كحلقة الباب العتيق في حي البيازين، واستنطاق الحجارة لتروي تنهيدات من نقشوها، من خلال استحضار طيف الأجداد، وبين حوارات حية مع إسبان اليوم (مثل الحرفي خوان في إشبيلية، وماريا في غرناطة)، مما يجعل المعالم حية تتنفس، وليست مجرد أطلال نبكي عليها فحسب.
ويغوص صاحب الكتاب في حقب وجدانية من تاريخ الأندلس، بالتركيز على لحظات التوهج الشعري والانهيار التراجيدي، كعصر المعتمد بن عباد وابن زيدون في إشبيلية، حيث حكم الشعر وبكى العاشقون، وصولًا إلى الحقبة الناصرية في غرناطة، وتحديدًا لحظة السقوط المأساوية المتجسدة في طيف «عائشة الحرة» ودموعها في قصر دار الحرة.
ويراهن صاحب الكتاب، محمد رحال، في حديثه لـ «الشعب»، على أن الأندلس ليست مجرد جغرافيا خسرناها في الماضي، بل هي «حالة شعورية» تسكن كل مبدع عربي. الرحلة من تندوف إلى غرناطة أكدت لي أن الفن، سواء كان بالكتابة أو بالسينما، هو الحصن الأخير ضد النسيان، نحن لا نكتب لنبكي على الجدران، بل لنرمّم أرواحنا ونحفظ ذاكرتنا الجماعية.






