رواتـب أفــضــل.. وسائــل أحـــدث وقانـــون أساسي ينظّــم ســـلــّم الرتــــب
إنصــاف الأعــوان وإعـــداد السلــك لمهام أكـثر صعوبــة بسبـــب التغـــيّرات الطبيعيـــــة
تحديــــد الأولويـات وفـق احتياجات الوحـــدات والمناطـق الأكــــثر تعرّضـــا للأخـــــطار
ربط رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، مراجعة القانون الأساسي للحماية المدنية بتغيّر الأخطار التي يواجهها أفرادها، موجّها خلال اجتماع مجلس الوزراء الأخير، برفع شامل للأجور وتحسين التعويضات وتجديد وسائل التدخّل، في توجّه يجمع بين إنصاف الأعوان وإعداد السلك لمهام أكثر صعوبة مستقبلا، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وما يرافق حرائق الصيف من تهديد للمواطنين والممتلكات وضغط متواصل، على فرق الإطفاء والإنقاذ.
يحمل تقديم الأجور ضمن هذه القرارات اعترافا بدور ومكانة أفراد السلك، الذين جدّد رئيس الجمهورية شكره لهم على تفانيهم، والتقدير هنا يجد ترجمته في مراجعة النقاط الاستدلالية للرواتب، بما ينعكس على دخل الأعوان، ويربط تحسين وضعهم المادي بطبيعة خدمة تتطلّب التدخّل في ظروف خطرة، والاستعداد لمواجهة طوارئ تتجاوز أحيانا الإمكانات المعتادة للعمل اليومي، خصوصا عند اندلاع حرائق متزامنة في مناطق متباعدة.
كما يكتسب توجيه تثمين تعويضات العاملين ميدانيا ومراعاة عائلاتهم أهمية خاصة، لأنه يأخذ في الحسبان الأعباء التي يتحمّلها العون وأسرته، فمخاطر الإصابة وضغط التدخّلات الطويلة لا تنفصل عن الاستقرار الاجتماعي للعاملين، وإدراج هذا الجانب في مراجعة القانون الأساسي يمنح التكفّل بهم طابعا دائما، ويجعل الحماية الاجتماعية جزءا من شروط أداء المهنة، إلى جانب الراتب والتجهيز والتكوين.
وفي السياق نفسه، تتيح إعادة النظر في سلّم الرتب وتصنيف المهام الإدارية والميدانية ضبط العلاقة بين المسؤوليات والوضعية المهنية، بما يراعي اختلاف طبيعة العمل داخل السلك، وهي نقطة ضرورية حتى تعكس التعديلات واقع المؤسّسة واحتياجاتها، ويجد الأعوان في القانون الجديد اعترافا واضحا باختصاصاتهم والأخطار المرتبطة بمهامهم، ضمن تنظيم يساعد على توزيع الأدوار وتحديد المسؤوليات أثناء التدخّلات.
وتبرز شمولية القرارات في اقتران تحسين الأجور بمراجعة ظروف العمل، من خلال تحديث المعدات وإقرار التكوين المستمر طوال المسار المهني، وقد حدّد رئيس الجمهورية غاية مباشرة لهذا التكوين، تتمثل في تفادي خسارة الأرواح خلال التدخّلات، ما يضع سلامة الأعوان ضمن أولويات الإصلاح، ويفرض مواكبة تطور الأخطار بأساليب عمل وتجهيزات تقلّل تعرّضهم لها، وتساعدهم على اتخاذ القرار المناسب في الميدان.
الاستباق لحماية الأرواح والأمن الوطني
تفسّر التغيّرات المناخية التي يعيشها العالم خاصة منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط الحاجة إلى هذا التأهيل، لأنّ ارتفاع درجات الحرارة وجفاف الغطاء النباتي وسرعة انتشار النيران تزيد صعوبة الإخماد، وتفرض على الفرق التحرّك لحماية التجمّعات السكانية بالتوازي مع محاصرة الحرائق، لذلك تتّجه التعليمات الرئاسية إلى تقوية القدرة على المواجهة قبل حلول المواسم الصعبة، عبر تجهيز الأعوان وتكوينهم وتوسيع المراقبة، بما يقلّص احتمالات تحول حريق محدود إلى كارثة واسعة.
وفي هذا الإطار، يكتسب استحداث نقاط وشبه مراكز للمراقبة في المناطق ذات الكثافة الغابية، بالتعاون مع وزارة الفلاحة، قيمة عملية واضحة، إذ يقرّب الرّصد من المواقع المعرّضة للخطر ويختصر زمن التبليغ، وهو عامل حاسم لبدء الإطفاء قبل امتداد النيران، كما يجعل الوقاية مسؤولية مشتركة بين القطاعات المعنية، مع الاستفادة من معرفة المصالح المحلية بالغابات والمسالك والتجمّعات القريبة.
كذلك، يعالج الأمر باقتناء أجهزة متطوّرة ووضع مخطّط لتجديدها لاحتياجات العمل على المدى الطويل، لاسيما أنّ العتاد يتعرّض للاستهلاك وتختلف ملاءمته بحسب نوع التدخّل، بينما يمنح تعزيز أسطول طائرات الإطفاء دعما إضافيا للفرق البرية في المناطق الوعرة، وقد ربط رئيس الجمهورية توسيع هذا الأسطول بالتدرّج وتوفّر الطائرات في السوق الدولية، ما يستدعي مواصلة التحضير للاقتناء بالتوازي مع رفع جاهزية الوسائل الموجودة. وتسمح البرمجة المسبقة للتجديد بتحديد الأولويات وفق احتياجات الوحدات والمناطق الأكثر تعرّضا للأخطار، وتفادي انتظار اشتداد الحرائق لتوفير الوسائل، حين تتزامن الحاجة إليها مع ارتفاع الطلب وصعوبة الحصول عليها بسرعة.
أمّا مأسسة التطوّع الموسمي، فتمنح مبادرات التضامن التي ظهرت خلال الحرائق الأخيرة إطارا ينظّم مشاركة المواطنين ويحميهم، ويسمح بتوجيه مساعداتهم إلى المهام المناسبة تحت إشراف المختصين، بما يحافظ على قوة هذا التضامن ويحدّ من تعريض المتطوّعين للخطر أو إرباك عمليات الإنقاذ.
ويتجاوز أثر هذه الإجراءات تسيير الحرائق إلى حماية الأمن البيئي، بوصفه جزءا من الأمن القومي الجزائري، خاصة وأنّ الخسائر تمسّ المواطنين ومساكنهم والنشاط الفلاحي والموارد الغابية، وقد تعطّل حياة مناطق بأكملها، كما أنّ استغلال الكوارث لنشر التضليل وإثارة الهلع يوفّر مدخلا للمساس بالتماسك الاجتماعي، خاصة إذا اقترن ذلك بأفعال تخريبية متعمّدة أثبتتها التحقيقات في الحرائق الأخيرة، فإنّ المواجهة تتّصل أيضا بالتصدي لأساليب الحروب الهجينة التي تستهدف استقرار البلاد.ومن هنا، تجمع قرارات رئيس الجمهورية بين حماية المواطن وحماية العون المكلف بإنقاذه، وتمنح الحماية المدنية دعما مهنيا واجتماعيا وتقنيا يتناسب مع اتّساع مسؤولياتها، وتبقى الأولوية لترجمة التوجيهات إلى أحكام واضحة في القانون الأساسي والنظام التعويضي وبرامج قابلة للتنفيذ، حتى تظهر نتائج الإصلاح في أجور الأفراد وظروف عملهم وسلامتهم، وفي سرعة التدخّل وتقليص الخسائر خلال المواسم المقبلة.



